ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مساحة الطغيان في النفس!

(كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى)!

مساحة الطغيان في نفسك.. هي التي تتمحور حول استطاعتك أن لا ترد على جوالك؛ كون أن المتصل مسكين وصاحب عاطف جياشة، أرسله الله لك لتنال الأجر من خلاله.. لكنك لا تستطيع أن تطنش مسؤول يتصل بك، بل تشدك الدهشة للرد الفوري عليه! تستطيع ان تعتذر عن مصافحة الغريب في مجلسٍ ما بحجة البرد الشديد فتدس يداك في معطفك، لكنك لا تستطيع أن تفعل هذا مع المسؤول الآخر.. بل تُبادر أنت بمصافحة أنامله الباردة!

تستطيع أن تهمل تاريخ ميلاد شقيقتك الحنونة معك، لكنك لا تستطيع أن تهمل تاريخ ميلاد زوجتك وتنساه! تستطيع أن تغتاب فلان في مجلسٍ ما، لكنك لا تستطيع أن تأخذ من لحيتك وتحلقها، تستطيع أن ترى نفسك وتتكبر، لكنك لا تستطيع أن تسمع المعازف، تستطيع أن تجعل النميمة تتوسد لسانك والحسد يقتحم عيناك، لكنك لا تستطيع إثبال ثوبك!

وإن الشريعة تُحرم الأولى أكثر من الثانية بكثير والله! نعم؛ تستطيع أن تُلقي خطبة بين عدة مُجاهدين كي لا يُصيبهم رذاذ المستنقع؛ لكنك لا تستطيع أن تحمي بساط قلبك من غبار التلوث! تستطيع أن تعامل المهندس البيئي بإهمالٍ فور أن تراه دون أن تُلقي عليه التحية وهو ينظف قمامتنا، لكنك تتوقف لصاحب شأن دخل من أمامك بسيارته كي تُعانقه، وكأنك تستقبل سحابة.. لكنه لم يتوقف لك! لتنكسر حينها كألف (إمي) في أول درسٍ ليتيم.. فكما تُدين تدان وهذه هي مساحة الطغيان بنفسك!

تستطيع أن تتحمل رئيسك في العمل إذا تحدث معك بخشونة وغلاظة، حيث ستقبل منه ذلك بنوع من الصبر وسعة الصدر؛ خوفًا من عواقب الرد عليه بالمثل أو خوف على راتبك! لكنك لن تقبله أبداً من فقير أوعاملٍ لست بحاجة إليه أبدًا، وتنظر إليه نظرة دونية، حتى لو كان هذا الانفعال منه؛ بسبب ما يعتقده من دفاع عن حقٍ له! إذ سوف ترد عليه الصاع صاعين، وسوف تصب عليه جام غضبك؛ لأنك لا تخشى في قرارة نفسك من عواقب قيامك بذلك؛ نظرًا لضعفه!وهذه هي مساحة الطغيان في نفسك!

تستطيع أن لا تصلي الوتر لأنك لوحدك، ولكنك لا تستطيع أن تغفل عن نشاطٍ اسبوعي كي لا تفوتك ورقة تسجيل الحضور! تستطيع أن تُصلي أو تقرأ القرآن بلباس نومك، لكنك لا تستطيع إلا أن تتزين وتتطيب عِند لقاء إعلامي؛ كي تصطادك الكاميرا بوضوح وجمال، فإنها تٌضيء وجهك ولكنها يا أخي تُطفيء أنوار قلبك!

تستطيع أن تحترم أمك وتهين زوجتك، لكنك لا تستطيع أن تُهين زوجة قريبك! تستطيع أن تُرسل كلمات الشوق لصديقك؛ لكنك تتجاهل البعد القاتل بين الألف والقاف، ولا تُبالي لجبل الكلام المتواري خلف تنهيدة: يا رب تستطيع أن لا تقرأ رسائل قريبك الصغير أو صديقك الأشعث لتفتحها بعد يومين؛ لكنك لا تستطيع أن تتوقف عن قراءة رسائل مسؤولك أو صديقك المُحبب!

تستطيع أن تتحمل زوجتك إذا كنت مقصراً في أداء واجباتك المنزلية؛ بسبب عجزك المالي! لكنك لن تقبل منها أبداً أدنى ذرة اعتراض أو امتعاض إذا جرى المال في يديك، وسوف تفكر على الفور في استبدالها بغيرها! وذلك بالطبع بعدما تجعل منها في قرارة نفسك نموذجاً لأسوأ زوجة على وجه الأرض؛ كتبرير لهذا الاستبدال ونكران العشرة!وهذه هي مساحة الطغيان في نفسك!

تستطيع أن تبيع قلبك رخيصًا في سوق المجاملات، لكنك بإهمالك لا تستطيع أن تشكُر الشمس على شروقها والعصافير على زقزقتها! تستطيع أن تبتسم في وجه من ترجو منه منفعةً مادية أو مالية أو حتى قيادية؛ حتى لو لم تكن تطيقه! لكنك لن تستطيع أن تفعل ذلك أبدًا، لو جاءك نفس الشخص في حاجة وأنت الذي تملكها! تستطيع أيضًا أن تجمل قلبك وتعسل لسانك في بدايات العلاقات، لكنك تزهد بهذا في النهايات! وهذه هي مساحة الطغيان في نفسك!

تستطيع أن لا تتلطف مع رفيقك في الجامعة، لكنك لا تستطيع أن تفعل هذا مع دكتورك.. بل تتواصل معه وتُلقي عليهِ المجاملات لأجل العلامات! تستطيع أن تؤجل دين استندته من ضعيف، حتى لو كنت تملك القدرة على السداد؛ نظرًا لأنك لا تتوقع منه القيام بأي ردة فعل؛ بسبب عجزه وخجله منك! لكنك لا تستطيع أن تفعل ذلك أبدًا، مع صاحب دين ذو سطوة وذو قيادة، ولديه القدرة على استرداد دينه بيده؛ وذلك لأنك سوف تؤثر السلامة؛ وتسدد له الدين على الفور!وهذه هي مساحة الطغيان في نفسك!

تستطيع أن تعفي لحيتك، لكنك لا تنتبه عندما تحلق إيمان قلبك! تستطيع أن تمسك المصحف في وقت فراغ هاتفك عندما ينفصل النت وتقطع الكهرباء، بينما تُلقي به عند أول إشعار يصلك من الفيس..! تستطيع أن تتهاون في الصغائر، وتوسع على نفسك بالعديد من الترخص حال السعة والرخاء، وقد يصل بك الأمر إلى الوقوع في محرمات الخلوات؛ بسبب هذا الاسترخاء وتلك السعة! لكنك لا تستطيع أبداً أن تفعل ذلك، لو أحاطت بك الشدائد من كل جانب، والتصق قلبك بالله؛ طلباً لتفريج تلك الكرب عنك! وهذه هي مساحة الطغيان في نفسك!

فابحث عن مساحات الطغيان في نفسك وعالجها قبل أن تزورك الطرائق، لتشعُر بخيبة تلك الشمعة التي ضحت بنفسها عندما كانت تضيء غرفة رجل أعمى! فهل رأيتم ميزاناً أدق في وصف حيِّز الطغيان في النفس البشرية من هذا الميزان؟! إنه ميزان يربط دوماً بين مقدار استغناء العبد وظهور الطغيان على نفسه! فاللهم أزل طغيان النفوس بشعاع الرحمة!

تعليق 1
  1. يوسف عميرة يقول

    فخممممممممم 😍😍😍😍😍😍😍

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.