ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

لغة قريش

بحث: عبد الرحمن نجم

تُؤلِّف اللغة العربية مع اللغات اليمنية القديمة، واللغات الحبشية السامية شُعبةً لُغويةً واحدةً يُطلق عليها اسم “الشعبة السامية الجنوبية”؛ ذلك أن صلات القرابة التي تربطها بهذين الفرعين أقوى كثيراً من صلات القرابة التي تربطها بشعبة اللغات السامية الشمالية، كما يبدو ذلك من الموازنة بينها في أصول الكلمات والأصوات والقواعد.

وعلى الرغم من أن العربية قد نشأت في أقدم مواطن الساميين (بلاد الحجاز ونجد)، فإن ما وصل إلينا من آثارها يُعد من أحدث الآثار السامية؛ فبينما يَرْجع أقدم ما وصل إلينا من آثار الأكادية إلى ما قبل القرن العشرين ق.م، ومن آثار العبرية إلى القرن الثاني عشر ق.م، ومن آثار الفينيقية إلى القرن العاشر ق.م، ومن آثار الآرامية إلى القرن التاسع ق.م، فإن أقدم ما وصل إلينا من آثار العربية البائدة لا يتجاوز القرن الأول ق.م.

وأقدم ما وصل إلينا من آثار العربية الباقية لا يكاد يتجاوز القرن الخامس بعد الميلاد، ولذلك لا نعلم شيئاً عن طفولة اللغة العربية وما اجتازته من مراحل في عصورها الأولى.

وعلى ضَوْء ما وصل إلينا من آثار العربية، يمكن تقسيمها إلى قسمين:

• العربية البائدة أو عربية النقوش: تطلق على لهجات كان يتكلم بها عشائر عربية، تسكن شمال الحجاز على مقربة من حدود الآراميين (مدائن صالح).

ونظراً لـ: “تطرف هذه اللهجات في الشمال”، و”شدة احتكاكها باللغات الآرامية”، و”بُعْدها عن المراكز العربية الأصيلة بنجد والحجاز”؛ فإنها فقدت كثيراً من مُقوِّماتها وصُبغت بالصبغة الأرامية.

وقد بادت هذه اللهجات قبل الإسلام، ولم يصل إلينا منها إلا بعض نقوش عثر عليها أخيراً؛ ولذا تسمى أحياناً “عربية النقوش”.

• العربية الباقية: وهي التي تَنْصرف إليها كلمة العربية عند إطلاقها، والتي لا تزال تُستخدم عندنا وعند الأمم العربية الأخرى لُغة أدبٍ وكتابةٍ وتأليفٍ، وقد نشأت في بلاد نجد والحجاز، ثم انتشرت في كثير من المناطق التي كانت تَشْغلها من قبل السامية والحامية.

ولا نَعْلم شيئاً عن طفولة هذه اللغة؛ إذ لم يَعْثر العلماء في مواطنها الأولى بنجد والحجاز على آثار منقوشة أو مكتوبة تلقي ضوءاً على حالتها الأولى.

على أنَّ أقدم ما وصل إلينا من آثارها هو ما يُعْرف بالأدب الجاهلي؛ وهو آثار أدبية تُنْسب لطائفة من شعراء العصر الجاهلي وحكمائه وخطبائه، ولكنها لم تُجْمع وتُدوَّن إلا في القرون الأولى للعصر الإسلامي، ويَرْجع تاريخ أقدمها إلى القرن الخامس بعد الميلاد على أبعد تقدير، وهي تمثل هذه اللغة في عنفوان اكتمالها وعظمتها بعد أن اجتازت مراحل كثيرة في التطور والارتقاء، وبعد أن تغلبت لهجة من لهجاتها -وهي لهجة قريش- على أخواتها، واستأثرت بميادين الأدب شعرها وخطابتها ونثرها في مختلف القبائل العربية.

وأصبحت لغة قريش لغة الآداب عند جميع قبائل العرب؛ فبها كان يُنْظَمُ الشعر، وتُلْقى الخطب، وتُرْسَل الحكم والأمثال، وتُدوَّن الرسائل، وتتفاوض الوفود، ويتبارى الأدباء، وتَجْري المناقشة في النوادي والمؤتمرات، وقد كان لها ذلك قبل بعثة الرسول بزمن غير قصير.

صفوة القول أن لغة قريش تَغَلَّبت على ما عداها من اللهجات العربية؛ فاستأثرت بميادين الأدب، وطغت على ألسنة جميع القبائل في المحادثة نفسها، وقضت على لهجتها الأولى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.