ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الإدارة المدنية الإسرائيلية.. حيلة الاختباء وراء تسميات تجميلية أكثر لطفاً

إشراقات- إعداد وتحرير: عبد الرحمن نجم

السياسات الإسرائيلية التمييزية تهيمن على العديد من مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين المقيمين في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتلك السياسات لا يوجد لها في العادة مبررات أمنية مقبولة، وتعد الإدارة المدنية مثالًا حيًّا على التمييز العنصري البشع الذي اتبعه الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
كل هذا التمييز على الرغم من أن محكمة العدل الدولية وهيئات دولية أخرى، ألزمت الاحتلال الإسرائيلي بالتزامات حقوقية إزاء جميع الأفراد الخاضعين لسيطرتها، بمن فيهم من هم في الأراضي التي تحتلها.

خرق القانون الدولي
وفي الحالات التي فحصتها منظمة هيومن رايتس ووتش، يبدو أنه لا يوجد مبرر قانوني لمعاملة الاحتلال التمييزية للفلسطينيين التي تخرق التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي، وتخرق الحظر على التمييز وكذلك جملة من الحقوق الأخرى المتصلة بهذا الحظر، ومنها الحق في حرية التنقل، والحق في السكن، والحق في الرعاية الصحية.
وعلى مدار السنين الأخيرة ارتبط اسم “الإدارة المدنية” بهدم شبكات الري، والبنية التحتية، وتدمير أجهزة إنتاج الطاقة الشمسية، ومصادرة معدات زراعية وجرارات في الأغوار، وفي أجزاء من محافظة أريحا، وفي المناطق الواقعة ضمن مخطط (إي 1) الاستيطاني، وبمطاردة البدو كما حصل مع عرب الجهالين وغيرهم.

صيغة تجميلية
بقيت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 طيلة السنوات التي حكم فيها حزب العمل الإسرائيلي خاضعة لما كان يعرف بـ”الحاكم العسكري”.
غير أن الانقلاب اليميني الذي شهدته إسرائيل عام 1977، وتمثل في تسلم الليكود اليمني مقاليد الحكم في البلاد، دفع برئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه مناحيم بيغن إلى محاولة البحث عن صيغة تجميلية من شأنها تكريس واقع الاحتلال الإسرائيلي؛ تمهيدًا لضم هذه الأراضي إلى “إسرائيل”، وتخفيف حدة الانتقادات والضغوط الدولية.

إخفاء صورة الحكم العسكري
أشار الخبراء والمستشرقون على بيغن بالقيام بخطوات تعمل على تطبيع الاحتلال، وإخفاء صورة الحكم العسكري خلف مسمى أكثر لطفاً، بحيث يخرج التعامل بين الفلسطينيين والحكم العسكري الإسرائيلي من نطاق الإجراءات الأمنية المعهودة.
وبالفعل فقد قام أرييل شارون عام 1981 الذي كان وزيرا للدفاع، بالإعلان عن إقامة الإدارة المدنية لتكون الواجهة التي يختفي خلفها الحكم العسكري بالرغم من أن جميع كوادر الإدارة المدنية هم من الضباط والجنود الإسرائيليين.
وكان أول رئيس للإدارة المدنية البروفيسور مناحيم مسلون وهو مستشرق وخبير بالشؤون الفلسطينية.

الأهداف المخفية
رمت فكرة الإدارة المدنية أول ما نشأت إلى تحقيق جملة من الأهداف أبرزها:
أولا: إتمام تجسيد الواقع الاحتلالي تمهيداً للضم الكامل، وهنا جاءت الإدارة المدنية لتحقيق غرض سياسي للائتلاف اليميني الحاكم.
ثانياً: البحث عن جسم تمثيلي بديل بعد أن فشلت تجربة روابط القرى، تم ذلك من خلال فتح قنوات اتصالات مباشرة مع الجماهير الفلسطينية عبر جلسات الحوار واللقاءات المكثفة مع رموز المجتمع الفلسطيني عن طريق مناقشة المشاكل اليومية الحياتية للشارع الفلسطيني.
وقد لعب ضباط الإدارة المدنية كحلقة وصل بين الشخصيات الفلسطينية والمستوى السياسي الإسرائيلي، وقد نظمت الإدارة المدنية عدة لقاءات بين إسحاق شامير وعدد من الوجهاء الفلسطينيين.
ثالثًا: ارتبط اسم هذه الإدارة بتمرير المخططات الاستيطانية الضخمة للاحتلال، وتشريعها فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة إما من خلال إصدار أوامر عسكرية، أو تشجيع سن قوانين عنصرية”
رابعًا: تجنيد العملاء؛ إذ يربط ضباط الإدارة المدنية بين الخدمات المقدمة للجمهور الفلسطيني وبين العمل لصالح جهاز المخابرات، فعلى سبيل المثال فإن الحصول على تراخيص عمل أو زيارة أو لم شمل العائلات غالبًا يتم استغلالها للمساومة.

فرض إتاوات
فرضت الإدارة المدنية في فترة من الفترات إتاوات على بعض الذين يتلقون خدماتها، فمثلا إذا تقدم أحد الفلسطينيين في المهجر بطلب لم شمل، فإن ضباط الإدارة المدنية لا يترددون في إلزامه بالتبرع للقيام بمشروع الأصل أن يتم تمويله من ميزانية الإدارة المدنية؛ لأنها تقوم بجمع الضرائب وبشكل باهظ.
فضلًا عن أن قسم الشؤون العربية في الإدارة المدنية يساهم بقسم أبحاث تنقل للمخابرات الإسرائيلية، حيث يتم رصد توجهات الرأي العام الفلسطيني أولًا بأول وعلى أساسها يتم حسم السياسات للتعامل مع الجمهور الفلسطيني.

حركة استيطانية جديدة
قامت الإدارة المدنية في سبيل تسهيل تكريس الاحتلال وعملية الضم بمصادرة عشرات الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية وقطاع غزة لإقامة مستوطنات جديدة.
إذ شهد مولد الإدارة المدنية انبعاث حركة استيطانية شاملة عملا بسياسة حكومات اليمين التي لم تكن تفرق بين ما يعرف بالمستوطنات السياسية والمستوطنات العسكرية، إلى جانب ذلك مصادرة أراض بغرض إقامة طرق التفافية وبنية تحتية لتلك المستوطنات.

وقف النمو الديموغرافي
قامت الإدارة المدنية بمحاولات حثيثة لوقف النمو الديموغرافي، والتوسع الجيوغرافي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وذلك عن طريق هدم البيوت، إذ كانت سلطة البناء والتنظيم التابعة للإدارة المدنية تقوم بهدم مئات المنازل في كل عام.

آثار السياسات التمييزية
تؤثر السياسات التمييزية الإسرائيلية في نحو 2.4 مليون فلسطيني يعيشون في مدن وبلدات في الضفة الغربية المحتلة (المعروفة بالمنطقتين أ و ب)؛ حيث فوضت إسرائيل أغلب المسؤوليات المدنية للسلطة الفلسطينية؛ وذلك لأن المنطقة ج تضم كميات كبيرة من موارد المياه وأراضي الرعي والأراضي الزراعية، وكذلك احتياطي الأراضي المطلوبة لتنمية المدن والبلدات والبنية التحتية.
كما أن المنطقة ج هي المنطقة الوحيدة المتاخمة لمناطق الضفة الغربية الأخرى؛ مما يعني عزل المدن والبلدات (التي تقع خارج المنطقة ج) في شكل جيوب أو بؤر منفصلة عن بعضها البعض.

تقييد التنقلات
تسيطر سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تنقلات وتحركات السكان الفلسطينيين بين المراكز السكنية الفلسطينية؛ إذ يتعين على الفلسطينيين عبور نقاط التفتيش لكي يمروا بالمنطقة ج إلى حيث يريدون الذهاب، ويحتاجون للتصاريح من أجل بناء إنشاءات البنية التحتية التي تساعد على الوصل بين المدن والبلدات والقرى بما في ذلك الطرق وخطوط المياه والصرف الصحي وأبراج الكهرباء.
ومن المستحيل عادة للمدن والبلدات والقرى الفلسطينية التي تحتاج للمزيد من الأراضي من أجل النمو، أن تتوسع في المنطقة ج، التي تضيق فيها إسرائيل كثيراً على الإنشاءات الفلسطينية.

أمثلة على التمييز
بينما تمنح سلطات الاحتلال سكان سدي بار وصلة إلى الطرق الرئيسية والكهرباء وتمول تطوير الإسكان هناك، فهي تحرم سكان جبة الذيب من نفس الخدمات.
وجبة الذيب قرية فلسطينية يسكنها نحو 160 شخصاً إلى الجنوب الشرقي من بيت لحم، ويرجع تاريخها إلى عام 1929، ولا يمكن الوصول إليها في أغلب الحالات إلا سيراً على الأقدام؛ لأن الوصلة الوحيدة منها إلى طريق مرصوف هي درب ترابي بطول 1.5 كيلومتر.
أطفال جبة الذيب عليهم السير إلى مدارسهم في قرى أخرى على مسافة عدة كيلومترات؛ لأنه لا توجد مدرسة في قريتهم.
ولا توجد في جبة الذيب كهرباء رغم طلبات كثيرة مقدمة لتوصيل الكهرباء من الشبكة الكهربية الإسرائيلية، وقد رفضتها السلطات الإسرائيلية.

لا مبردات
رفضت السلطات الإسرائيلية مشروعًا بتمويل من مانح أجنبي كان من شأنه أن يمد قرية جبة الذيب بأضواء الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية.
وأيُّ لحوم أو ألبان في القرية يجب تناولها في نفس اليوم لعدم وجود مبردات، وعادة ما يلجأ السكان إلى أكل الأطعمة المحفوظة لهذا السبب.
لذا يعتمد السكان في الإضاءة على الشموع ومصابيح الكيروسين، وعندما يكون بوسعهم تحمل ثمن الوقود، يعتمدون على مولد كهرباء صغير.

مجتمع سدي بار اليهودي
وعلى مسافة نحو 350 متراً هناك مجتمع سدي بار اليهودي الذي تم إنشاؤه عام 1997. وله وصلة مرصوفة إلى الطريق العمومي، ويبلغ تعداده نحو 50 شخصاً، وفي سدي بار مدرسة ثانوية، لكن لا يحق لطلاب جبة الذيب ارتيادها.
وسكان سدي بار لديهم الخدمات والأدوات المتوفرة في أية بلدة إسرائيلية، مثل المبردات والأضواء الكهربية، التي يمكن لسكان جبة الذيب رؤيتها من منازلهم في الليل.

تعليق 1
  1. Hamda يقول

    رائعه جدا 😍 ومعبرة نحتاج لنتفكر قليلا في كلامنا وتصرفاتنا أمام الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.