ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الثورة العربية الكبرى.. بين المؤامرة والحقيقة

إشراقات-

ثمة روايتان مختلفتان حول حيثيات انطلاقة الثورة العربية الكبرى في يوم 10 يونيو لعام 1916، الأولى تشير إلى أن سياسة التتريك كان لها الدور الأساسي في اشتعال الثورة.
أما الثانية فتشير إلى أن دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية عام 1914 بجوار ألمانيا شكل خطرًا كبيرًا على مصالح بريطانيا؛ الأمر أخاف بريطانيا من ثورة المسلمين عليهم.
وأيًا تكن الحقيقة، فإن الأمة الإسلامية ما تزال تعيش عقابيل هذه الثورة؛ فبريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية قد تقاسمت تركة الدولة العثمانية بينها في اتفاقية “سايكس بيكو” في 1916 التي قسمت الوطن العربي.
وحرص سايكس في برقية أرسلها إلى وزارة الخارجية بلندن في 17 مارس 1916 على التوصية بكتمان بنود الاتفاقية عن زعماء العرب.

رواية البريطانيين
بحسب وثائق الأرشيف البريطاني، فإن دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية في 1914 بجوار ألمانيا شكَّل خطرًا كبيرًا على مصالح بريطانيا، ولا سيما أن هذا قد يؤدي إلى ثورة المسلمين في مصر والهند ضد الوجود البريطاني، وإحياء فكرة الوحدة الإسلامية مجددًا.
خلصت بريطانيا إلى نتيجة مفادها أنه يمكن وأد هذه الثورة المحتملة عليها من قبل المسلمين، وذلك بإضعاف الدولة العثمانية التي قد تعطي تلك الثورة الزحم انطلاقًا من مبدأ الوحدة الإسلامية آنذاك.

خداع أمير مكة
توجه البريطانيون إلى مراسلة أمير مكة الشريف الحسين بن علي، لتشجيعه على الثورة ضد الوجود التركي في الحجاز، واعدين إياه بمنصب الخليفة عبر مخاطبته بألفاظ التعظيم، معربين عن رغبتهم في أن يكون خليفة المسلمين من “سلالة مهبط الوحي المحمدي”.
وتشير وثائق الأرشيف البريطاني إلى أن هذه الحيلة انطلت على الشريف الحسين بن علي، فأعلن الثورة على الدولة العثمانية في 10 يونيو 1916، حيث جرى إمداد الشريف الحسين بن علي بالسلاح والمال.

الرواية العربية
كانت لسياسة التتريك الدور الأساسي في اشتعال الثورة. حيث استطاع القوميون الأتراك الوصول إلى السلطة بقيادة الباشاوات الثلاثة وقاموا باضطهاد القوميات غير التركية ولاسيما العرب.
من جهة أخرى ساهم تردي الوضع الاقتصادي، والنهضة العربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى بروز حركة عربية للاستقلال عن الأتراك، وكانت مبادئ الثورة العربية قد وضعت بالاتفاق ما بين الحسين بن علي وقادة الجمعيات العربية في سوريا والعراق في اتفاق شفهي غايته استقلال العرب، وإنشاء دولة عربية واحدة، وقد وعدت الحكومة البريطانية العرب عام 1915 بالاعتراف باستقلال العرب، مقابل اشتراكهم في الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك.
ولأن الأتراك حلفاء للألمان في الحرب العالمية الأولى، والقضاء على الأتراك من مصلحة بريطانيا، فقد قامت بريطانيا بتسليح العرب، ودعمهم لخوض الحرب مع الأتراك؛ لأن استمرار الأتراك في التوسع في شبه الحزيرة العربية كان يهدد الدول الحلفاء، وخاصة أن قوة الأتراك والألمان أربكت الحلفاء.

انكشاف الخديعة
اندلعت ثورة البلاشفة الروس في أكتوبر 1917، ونشر البلاشفة الوثائق السرية التي عثروا عليها في مقر وزارة الخارجية الروسية بالعاصمة بتروغراد، ومن بينها اتفاقية “سايكس بيكو”، فوصلت أنباء الاتفاقية إلى الشريف.
احتلت الجيوش الفرنسية سوريا، وطردت منها فيصل نجل الشريف، كما فرضت بريطانيا الانتداب على فلسطين وبدأت في توطين اليهود، فرفض الشريف حسين تلك الإجراءات، وامتنع عن التوقيع على معاهدة فرساي، فتخلت عنه بريطانيا، ووجهت دعمها كله لأمير نجد، عبد العزيز بن سعود، الذي اجتاح الحجاز عام 1924، ما اضطر الشريف إلى التوجه إلى العقبة، ليجبره الإنجليز على مغادرتها ليعيش في منفاه الإجباري في قبرص.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.