تدوينات

أطفال رضعوا العزة والمقاومة

كان طفلاً فلسطينياً لم يتجاوز العاشرة من عمره، حافي القدمين مهترئ الثياب، وشعره أسود فاحم مثل الليل، وبشرته لوحتها الشمس.. في عيونه بريقاً جاذباً يشعرك بأنه ليس طفلاً عادياً.. فيه شيء مختلف عن بقية الأطفال.

سألته مسؤولة مؤسسة أجنبية كانت تقوم بممارسة نشاطات تفريغ نفسي للأطفال الذين يعيشون في المناطق التي تعانى حروباً: أي أبطال رياضة كرة القدم تفضِّل؟ أهو ميسي أم رونالدو؟ فأجاب: أنا أفضِّل أبطال المقاومة والسلاح.. رجال لا يضيِّعون حياتهم بالجري وراء قطعة من المطاط.. بل يستثمرون كل دقيقة من وقتهم في تطوير مهاراتهم في القتال وتصنيع السلاح ومقارعة محتل غاصب.

فسألته: أي أسماء نجوم الفن هي المحببة إلى قلبك القريبة من روحك.. تداعب مشاعرك وأوتار قلبك؟ فأجاب: في قريحتي الكثير من الأسماء.. فنانوا المقاومة وأبطالها كثُر قد لا أستطيع إحصائهم.. فهل أحدِّثك عن محمد الضيف أم أبوعبيدة أم محمد الجعبري؟ هل أخبرك عن نور الدين البركة أم مازن الفقهاء؟ أأتذكر باسل الأعرج أم ضياء التلاحمة أم بهاء عليان؟ أأحكي لك عن مهند الحلبي أم أشرف نعالوة أم أحمد جرار.. من تريدي أن أخبرك بكافة التفاصيل عنه؟ هؤلاء هم المحببون إلى قلبي القريبون من روحي، الذين يداعبون مشاعري وأوتار قلبي.. أتريدين أسماءً أخرى.. أستطيع أن أخبرك إن أردت.

قالت له: حسناً، من هو أكثر زعيم في العالم ينال إعجابك وتتمنَّى أن تصبح مثله؟.

قال بدون تردد: شهيد الفجر، الشيخ أحمد ياسين رحمه الله.. وإن كنت لا تعرفين هذا الزعيم الفذ، سأعرِّفك به.. هو زعيم لم تكن تحيط به كتيبة من الحرس الخاص، ولم يكن شغله الشاغل الزيارات الخارجية والاستقبالات وموائد الغداء والعشاء.. لم يرتدي البدلة الرسمية ولا ربطة العنق يوماً.. هذا القائد إنسان بسيط ولكنه عظيم القدر.. شخص معاق، قعيد كرسي متحرِّك، أمضى شطراً من حياته في المعتقلات وخلف القضبان والأسلاك الشائكة..

استطاع بفكره النَّيِّر وإرادته الصلبة وعزمه الذي لا يعرف اللين إليه سبيلاً أن يخلق واقعاً جديداً في فلسطين ويحيي قضيتها، استطاع أن يغرس البذرة التي نمت وتجذَّرت وتغصَّنت وأورقت وأينعت وأثمرت مقاومة مسلحة في فلسطين أمي.. حتى أصبحنا مهابي الجانب، وعادت أحلام العودة إلى مدننا وقرانا التي هُجِّرنا وشُرِّدنا منها قريبة منا.. قاب قوسين أو أدنى.

زعيمي هذا، رجل ليس ثرِّياً فلا قصور له ولا سيارات ولا أموال محفوظة في بنوك سويسرا أسوة بجميع زعماء العالم.. زعيم شارك الناس همومهم وفقرهم وآلامهم، عاش بينهم وتوفي بالطريقة نفسها التي توفي بها ثلة منهم.. طائرة أباتشي قصفته بصاروخ بُعيْد خروجه من صلاة الفجر.. كان شيخاً كبيراً في السِّن، أنهك المرض جسده وهدَّ قواه، ولكن الله اصطفاه شهيداً.. فانبعث هؤلاء الأشقياء وأصرُّوا إلا أن تكون شهادته على أيديهم الدنسة.

قالت المرأة بقنوت ظاهر: يبدو أنك يا صغيري قد كبرت قبل أوانك.. جميع أطفال العالم في مثل سنِّك يلعبون ويلهون، ويغنون ويرقصون.. لا علاقة لهم بالسلاح وهموم السياسة، فلما لا تترك ذلك لوقت لاحق؟.

ابتسم الفتى ابتسامة عريضة وقال: عندما بدأت أعي قالت لي أمي بأنني ما حملت بك وأنجبتك إلا لهدف عظيم.. استغربت كلامها فسألتها: ولماذا إذن حملتني وأنجبتني؟ أجابتني بإصرار: ما حملت بك وأنجبتك إلا لتحرر ثرى فلسطين من المغتصبين.. فلسطين تريد رجالاً في صلابة الصخر أفذاذاً أذكياء تمكَّن الإيمان من قلوبهم، ولهذا تراني أعينك على حفظ كتاب الله وأوقظك فجراً كي تذهب إلى المسجد.. لأن صلاة الفجر تصنع الرجال.. أنت رجل يا بني وأنتظر منك الكثير فهل ستكون عند حسن ظنِّي بك؟ فقلت لها برغم أنني لم أعي كل ما قالت: أنا لها يا أمي.. وما زالت أمي تردد هذه العبارات على مسمعي، حتى حفظتها واحتلت تفكيري.. كيف سأطهر مسرى رسول الله من دنس بني صهيون.. وأنت تحدثينني الآن عن اللهو والغناء والعبث؟ هدف عظيم ينتظرني.. لا وقت لدي لغيره..

د. زهرة خدرج

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق