ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الفلسفة والدين.. تعارض أم توافق؟

إعداد: عبد الرحمن نجم

ظهرت الفلسفة أول ما ظهرت كتفكير عقلاني يقابل التفكير الأسطوري الوثني الذي كان عند اليونانيين القدماء، ولا سيما أن المجتمع اليوناني آمن بآلهة عديدة ونسج حولها القصص الأسطورية.

نشأة الفلسفة
كان ظهور الفلسفة تبعاً لعدّة عوامل منها انتقال الحكام من النظام الديكتاتوري إلى النظام الديمقراطي، فارتبط ظهور الفلسفة بظهور نظام الدولة المدنية كنظام سياسي ديمقراطي، عرف جدلًا وحوارًا وحرية في التعبير، واستخدم الأساليب الحجاجية البرهانية، أما الأسطورة فهي تفكير شفوي يعتمد على الإغراء والسرد الحكائي.
ويشير المؤرخون والباحثون في التاريخ القديم إلى أن الفلسفة ولدت في القرن السادس قبل الميلاد مع من كان يطلق عليهم اسم “الحكماء الطبيعيين” أمثال طاليس وهيرقليطس.
على أن الفلسفة عُنيت بعلم المنطق، والميتافيزيقيا (علم ما وراء الطبيعة)، والقيم الأخلاقية، وعلم الجمال، وعلم الوجود.

المشكلة الفلسفية
تكمن مشكلة الفلسفة في إخضاع الغيبيات الإلهية لها، حيث رأى الفلاسفة القدماء أن الفلسفة طريق المعرفة إلى الحقيقة، في حين أتى الإسلام ليؤكد أن الوحي هو مصدر المعرفة الدينية المؤدية إلى الله.
وعليه فأصل الفرق بين الفلسفة والدين راجع إلى منشأ القضايا الذي هو العقل عند البعض والوحي عند الآخر، فأصل قضايا الدين من الدين، وأصل قضايا الفلسفة من الإنسان.

المسلمون والفلسفة
كان للفتوحات الإسلامية في أوروبا والأندلس الفضل في تعرف المسلمين على الفلسفة؛ فظهر الكثير من الفلاسفة العرب الذين أخذوا علم الفلسفة القديمة عن اليونان، وانكبوا على كتبهم ودراستها ومحاولة إخراج علم فلسفة يدعم الدّين والأخلاقيّات، ويكون ضمن منظومة العلوم الإسلاميّة، وقد عُرف من بين هؤلاء العلماء ابن رشد والفارابي وابن طفيل وابن سينا.
لكن الانتشار والقَبُول للفلسفة رافقه تحذير بعض علماء المسلمين منها من حيث إنها تطرح مسائل للتفلسف تتصل بالخلق الأول والإلهيات والبعث وصفات الله، فضلًا عن أن كثيرًا من الدارسين للفلسفة من المسلمين دخلوا ساحة الفلسفة وما استطاعوا الخروج منها، فعَلِقوا في لُجة دهاليزها وتشكيكاتها.
فكان من أبرز من رد على منهج الفلاسفة حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الذي فنّد منهجهم، وأبان عن قصوره عن الوصول إلى حقائق هي غائبة عن الفكر والعقل، وأنّ التصور البشري بإمكاناته التي خلقه الله بها غير قادر على إدراك الكثير من الغيبيات التي استأثر الله تعالى بها لنفسه.
وبحسب رأي الغزالي، قد يكون المنطق أو كما يعرف بعلم الكلام مفيداً عندما يكون مسخّرًا في خدمة الدّين، ومثال ذلك قواعد أصول الفقه والاستدلال في الشّريعة الإسلاميّة التي توصّل إليها المسلمون من خلال النّظر وإعمال العقل، حيث وضعوا القواعد والأصول الفقهية، ومناهج استدلال خدمت الشريعة الإسلامية، مثل القاعدة الأصوليّة التي تقول إنّ “الحكم على الشّيء هو فرعٌ من تصوّره”.
بينما قد يكون علم الكلام والفلسفة فاقدًا البوصلة والاتجاه نوعاً من الهرف بما لا يفقه الإنسان ويعرف، أو نوعاً من العبث، وتضييع الوقت بجدالٍ عقيم لا يفضي إلى نتيجة، ولا يوصل إلى حقيقة، والأصل في المسلم اجتناب الكلام والجدال، وفي الحديث الشريف عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “أنا زعيم بيتٍ في الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقّاً”.
وفي الحق، فإن الذي لا ريب فيه أن فعل التفلسف لا يصلح لعوام الناس؛ لكون الفلسفة قد تُدخل المرء في متاهات ودهاليز فكرية تهدد أركان إيمانه، وقد جلّى شيخ الإسلام ابن تيمية الأمر فقال: “سليقة في الذكي، ولا ينتفع بها الغبي”.

عدم التعارض
يذهب الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه “القرآن والفلسفة” الذي يوضح العلاقة بين القرآن والفلسفة إلى عدم معارضة القرآن للفلسفة، مؤكدًا أن القرآن كان من أهم العوامل التي دفعت المسلمين إلى التفلسف، وذلك لما اشتمل عليه من فلسفة، سواء ما يتعلق منها بالإنسان، وما يتعلق بالله وصلته سبحانه بالإنسان.
ويضيف: “القرآن قبل كل شيء هو كتاب العقيدة الحقة، والشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، والأخلاق التي لا يقوم مجتمع سليم إلا بها، لكنه مع ذلك تعرض في كثير من آياته لأمهات المشاكل الفلسفية الإلهية والطبيعية والإنسانية، المشاكل التي كانت وما تزال تثير أفكار وعقول العلماء والفلاسفة، وتعرض القرآن لبعض هذه المشاكل وبخاصة الإلهية منها، كان على نحو يدعو إلى تعمقها، وإنعام التفكير فيها، وبشكل يجعل الفكر يذهب مذاهب شتى”.
ويقرر الدكتور محمد يوسف موسى أنه لولا القرآن لما عرف تاريخ الفكر الإسلامي أكثر هذه المذاهب التي استمدها أصحابها، أو أقاموا الأدلة عليها من القرآن نفسه، وآية ذلك أن تفكير الفلاسفة من غير رجال علم الكلام، أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد، لم ينته إلى نحو مذاهب المتكلمين، لأن هؤلاء الفلاسفة لم يستوحوا القرآن في بناء وتكوين مذاهبهم، وإن حاولوا أحياناً أن يستدلوا منه على بعض ما ذهبوا إليه.
ويشير إلى أن “القرآن وإن كان قد وَجَّه المسلمين للتفلسف، وأوحى بكثير من الآراء والمذاهب الفلسفية، إلا أن هناك عوامل أخرى بجانبه كان لها أثرها فيما أثر عن المسلمين من فلسفة، وهي عوامل أجنبية حصلت نتيجة اتصال المسلمين بالفلسفة اليونانية عن طريق اختلاطهم بحملتها من السريانيين وغيرهم، ثم عن طريق نقلها إلى اللغة العربية.
الأمر الذي يعني أن ما دفع المسلمين للفلسفة هو القرآن أولاً، ثم ما عرفوه ونقلوه من التراث الإغريقي ثانياً، وكل من هذين العاملين كان له أثر خاص به”.

الخلاصة
بعد هذا التصدير والتقديم للفلسفة، فإن الذي نطمئن إليه هو أن الفلسفة يمكن أن تكون طريقًا للإلحاد، وطريقًا للإيمان في آن واحد، وهذا الأمر راجع إلى مُدركات الشخص نفسه، ومقدار فهمه، ولذلك لا يُحبذ للعامي أن يَتَقحَّم غمار الفلسفة، ويوغل فيها عميقًا؛ إذ إن ذلك ضَرْبٌ من التهور المعرفي المؤدي إلى التشكك الديني لمن لم يَحُز أدواته المعرفية، فضلًا عن الدينية.
وفي الجملة، حري بالمسلم الحق أن يأخذ من الفلسفة ما يؤيد إيمانه بالله عز وجل، وأن يضرب صفحًا عن العويصات التي تبسط الكلام في الغيبيات، إلا إن أَمِنَ على نفسه منها؛ وذلك عملًا بالفلسفة القرآنية التي تدعو إلى فلسفة اعتقادية تقوم على الايمان بالغيب كما جاء بلا جدال أو إخضاع لفلسفة، فتكون الفلسفة بذلك أداة لفهم مضامين الدين وروحانيته، وليست حكمًا عليه.
فليس كل شيء يصلح إخضاعه للتفلسف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.