إشراقات سياسية

حماس إذ تُغيّر قواعد اللعبة

 

في الـ 14 من كانون أول (ديسمبر) عام 1987، وبالتزامن مع اندلاع انتفاضة الحجارة، الانتفاضة الأولى، شهدت الساحة الفلسطينية بروز وانطلاق حركة مقاومة جديدة بفكرها وطريقها وطريقتها وطرحها، غيّرت الخارطة السياسية على الساحة ودعّمت محور المقاومة والدفاع عن فلسطين المحتلة؛ حركة “حماس” ذاك التنظيم الذي انطلق برؤية سياسية وفكرية جديدة جعلت المقاومة أساس استراتيجيتها الإسلامية العربية في وجه الاحتلال الإسرائيلي؛ قبل أن تجعل عمقها في الدول العربية والإسلامية التي لدى شعوبها غيرة على القضية الفلسطينية.

الحركة التي ما انطلقت إلا ووُضعت في طريقها مختلف العقبات والعراقيل الداخلية والخارجية.. حوربت وصبرت وقاتلت حتى نمت جذورها وأينعت وبدا زرعها يأتي أُكله بفضل تربية بدأت من المساجد أسوة برسول الله وصحبه الذين أسسوا نواة الدولة من المساجد ومنها انطلقت معارك التحرير والفتوحات.. التزمت بمبدأ “الإسلام هو الحل” وبدأت عملها دعوية تربوية؛ قبل أن تنطلق نحو العمل العسكري بروح شبابية؛ بداية من الحجارة فالسكاكين إلى الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة إلى الصواريخ وليس أخيرًا طائرات الأبابيل.

تدرجت حماس بالعمل العسكري المقاوم مصقولًا بالدعوي مدعومًا بالسياسي إلى أن نجحت في المزاوجة بين المقاومة والعمل السياسي وأصبحت التنظيم الأقوى عسكريًا وفكريًا، وسياسيًا أيضًا، ما سمح لها أن تُقارع بما تملك من قوة عسكرية وفكرية وعقيدة صحيحة متجذرة في نفوس رجالها، كيان الاحتلال بما يحوز من أنظمة تكنولوجية وعسكرية متقدمة، بل وأمست الندّ القوي للاحتلال بما تُنفذ من عمليات سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.. وانظروا ما فعل عماد عقل ويحيى عياش ومحمد الحنبلي وعماد وعادل عوض الله والشيخ يوسف السُركجي وصلاح الدين دروزة وغيرهم الكثير الكثير (..) في الجانب العسكري، وكيف كانت تُدار المعركة السياسية من قبل جمال منصور وجمال سليم والرنتيسي والشيخ حسن يوسف ومن قبلهم أحمد الياسين وخالد مشعل واليوم إسماعيل هنية ومحمود الزهار ويحيى السنوار، والقادة العِظام الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم هبة لفلسطين ومقدساتها في سبيل الله.

يُعرَّفُها البعض على أنها جزء من حركة النهضة الإسلامية، تؤمن أنها (النهضة) المدخل الأساسي لهدفها؛ تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر.. جذورها إسلامية، ويقول قادتها ومؤسسوها إنها حركة تحرر وطني ذات فكر إسلامي وسطي معتدل، تحصر نضالها وعملها في قضية فلسطين، ولا تتدخل في شؤون الآخرين.

وتعمل على توفير الظروف الملائمة لتحقيق تحرر الشعب الفلسطيني وتحرير أرضه من الاحتلال، والتصدي للمشروع الصهيوني المدعوم من قبل قوى الاستعمار الحديث.

وتَعتبِر الحركة أرضَ فلسطين وقفًا إسلاميًا ووطنًا تاريخيًا للفلسطينيين بعاصمتها القدس كاملة (غير مجزأة شرقية وغربية). تعتمد النظام المؤسساتي تنظيميًا والشورى في اتخاذ قرارها. وتحصر حماس مقاومتها ضد الاحتلال الإسرائيلي فقط، وليس لها أي معركة مع أي طرف في العالم، فهي لا تقاوم إلا من يقاتل الشعب الفلسطيني ويحتل أرضه.

حماس التي نعرفها اليوم هي التي قرأنا عنها الكثير قديمًا؛ سواء في دراسات صدرت عنها بلسان غير لسانها أو تلك التي أنجزت بعقول وفكر “حمساوي”، لم يختلف فكرها القائم على المقاومة وإنما طورت فكرتها في القتال ومواجهة احتلال تلقى كافة أشكال الدعم؛ العسكري والسياسي..، في سبيل سيطرته على فلسطين بما تمتلك من مواصفات وسمات جغرافية ودينية وغيرها.. لصالح أهداف غربية، أولها كان السيطرة على رقعة وموقع استراتيجي مهم ومهم جدًا، عبر التخلص من أكبر مشكلة كانت للدول الغربية حينها؛ وهم شَتات اليهود الذين يتكونوا من فتات وفئات غير متجانسة لا سياسيًّا ولا اجتماعيًا ولا حتى ثقافيًّا، وهو ما يؤكده ما بدأ يطفو مؤخرًا على سطح السياسية في دولة الاحتلال؛ لا سيما الخلاف على العمل أيام السبت وتجنيد اليهود المتدينين (الحريديم).

وبالعودة إلى حماس في انطلاقتها الـ 31، فقد بات من المُؤكد أن انطلاق حماس وظهورها بقوة في الساحة الفلسطينية، قد عرقل، إن لم يوقف، نزيف التنازلات التي طالت نحو 75 في المائة من أرض فلسطين التاريخية.

ومنذ أن شعر الاحتلال أن حماس بمشروعها وفكرها المقاوم سيكون نهاية وجوده في فلسطين المحتلة قرر أن يوجه لها ضربة ظنًا منه أنه سيُنهي تلك الحركة الفتية، فكانت مرحلة إبعاد المئات من عناصر وقادة حماس إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني (ديسمبر 1992)، وسرعان ما حوله فكر الحركة المرن والواسع إلى “نعمة” سمحت لقادة حماس بالتواصل مع المجتمع الدولي والأحرار في الدول العربية والإسلامية، وإنشاء نقاط تواصل وقواعد سياسية ظهرت نتائجها جلية وبإيجابية فيما بعد.

بعد أن تيقن الاحتلال من فشل خطوته اضطر لإعادة المبعدين الذين حولوا البقعة القاحلة المليئة بالأفاعي إلى جامعات ومراكز تعليمية تخرّج منها قادة عِظام وجنود أشداء رحماء؛ ومن ينسى محمود أبو هنود، قبل أن يعتقل العشرات ممن أعادهم من الإبعاد.

وفشل الاحتلال أيضًا في إخماد جذوة وعنفوان تلك الحركة، فلجأ إلى الاغتيالات وهي سياسة أثبت فشلها الحروب الثلاث الأخيرة على غزة ومرحلة ما بعد اتفاق القاهرة لترتيب البيت الفلسطيني عام 2005 والانتخابات التشريعية عام 2006 وعمليات كتائب القسام منذ أوائل التسعينيات وأسر عددًا من جنود الاحتلال؛ أبرزهم جلعاد شاليط الذي كان بداية مرحلة جديدة لإنهاء وتحطيم الخطوط الحمراء و”المسلّمات” لدى الاحتلال.. وربما يخبئ لنا الزمان أكثر مما رأينا من حركة حماس في سبيل تحقيق حلم الفلسطينيين المنشود؛ الدولة والعودة.

عملياتها وتطويرها لذاتها هزّت كيان الاحتلال وأرعبت المستوطنين الغزاة حتى أصبحت اليوم تصنع أدوات القتال لمجاهديها بنفسها؛ لا سيما الصواريخ والطائرات بدون طيار التي أحدثت بلبلة في تفكير قادة الاحتلال؛ الروس منهم والإنجليز وجميع الغرباء.

أقلقت بفعلها الذي كثيرًا ما سبق قولها قادة الاحتلال الذين قدموا إلى أرض فلسطين بـ “وعد” مزيف (بلفور 2 نوفمبر 1911)، وظَنُّوا أن شرعيتهم المزيفة سوف يصنعها قرار التقسيم الصادر عن مجلس الأمن الدولي (29 نوفمبر 1947)، أو اتفاقية هزيلة (أوسلو؛ سبتمبر 1993) جاءت بجنين “معاق” حركيًّا  وفكريًّا، فأعادتهم حماس بقنابلها وأحزمتها الناسفة وأجساد استشهادييها الشباب، وفكر قادتها مشعل والياسين والرنتيسي وجمال منصور وأبو شنب والجعبري ويحيى عياش..، إلى الواقع الذي يؤكد أن الفلسطينيين لن يسلموا أرضهم مقابل فتات معاهدات واتفاقيات تسوية ثبّتت الاحتلال وزادت استيطانه في أرض فلسطين “الوقفية”.

حماس وبعد 31 عامًا على انطلاقتها، باتت الحركة “العصية” على الانكسار فعلًا لا قولًا، فبعد أن حاولت مختلف الأطراف أن “تُدجن” الحركة (إن جاز التعبير) وتجعلها منخرطة في السياسة بعيدًا عن المقاومة، وافقت حماس على الدخول في معترك العمل السياسي من منطلق الحفاظ على المقاومة وعناصرها، فنجحت بشكل مُبهر في الانتخابات البلدية (2005) والتشريعية (2006) وزاوجت العمل السياسي بالعسكري وأسرت جلعاد شاليط (حزيران 2006) وأنجزت صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار 2011)، وأذاقت الاحتلال وبال أمره في الضفة الغربية على مدار عدة سنوات (2015 في إيتمار ردًا على جريمة حرق عائلة دوابشة) وربما ليس أخيرًا عمليات إطلاق النار في “بركان” و”عوفرا” و”جفعات أساف” (2018). ومن ينسى العهدة العشرية التي قلبت المعادلة ودبت الرعب في نفوس المستوطنين وقادة الاحتلال.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق