إشراقات سياسية

المجتمع الدولي لم ينتصر للمقاومة في فلسطين!

 

ليس شرطًا أن المجتمع الدولي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة قد انتصرت للمقاومة الفلسطينية عندما رفضت المشروع الأمريكي الذي كان يطالب بإدانة حركة “حماس”، ولكنها وجهت ضربة جديدة للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في طريق محاولتهما لضرب شرعية المقاومة في فلسطين المحتلة.

وما حدث من موافقة على اعتماد طلب مجموعة الدول العربية ممثلة بالكويت بأن يكون التصويت على أساس الحصول على ثلثي الأصوات وليس الأغلبية هو أولًا السير بالمسار القانوني للجمعية العامة في اعتماد القرارات وثانيًا فيه درس جديد لواشنطن بأن المجتمع الدولي ما عاد يهاب تهديداتها ولا يسعى وفق رؤيتها المُظلمة بما يخص فلسطين وقضيتها والحلول المطروحة لصالح الاحتلال وثالثًا الأمم المتحدة لا تُرِيد أن تكون طرفًا في إسقاط قراراتها بذات الخصوص.

الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترمب وفريقه، تسعى للسيطرة على العالم بمجموعة قرارات ومشاريع قوانين ومراسيم خالفت في معظمها القانون الدولي والشرائع التي أجمعت عليها الدول عبر التاريخ من خلال الجمعية العامة والأمم المتحدة؛ لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وثوابتها المختلفة.

ومنذ أن قرر ترمب الترشح للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة بدأ حملته بوعود وقرارات معادية لكل ما هو أخلاقي في القانون الدولي؛ لا سيما فيما يتعلق بـ “الصراع العربي الإسرائيلي” واتهام الأمم المتحدة بأنها منحازة ضد “إسرائيل” في القرارات التي اتخذتها؛ قبل رحيل إدارة باراك أوباما ودخول إدارة ترمب؛ خاصة ذاك المتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية ووضعية ومكانة القدس المحتلة ومقدساتها والمسجد الإبراهيمي في الخليل، وليس انتهاءً لمحاولته منع السلطة الفلسطينية من دخول منظمة “الإنتربول”.

بدأ ترمب بمدينة القدس المحتلة واعترف بها عاصمة للاحتلال ونقل سفارة واشنطن لها من تل أبيب في السادس من كانون أول (سبتمبر) 2017، في الاعتراف الذي عارضه الاتحاد الأوروبي ودول العالم الحرة التي ما ارتضت الانصياع للتهديد والوعيد الأمريكي عبر سفيرة واشنطن منتهية الولاية في الأمم المتحدة نيكي هايلي، ومخالفة تلك الإدارة للشرائع الناظمة للعلاقات الدولية ولو جزئيًا.

وجاء بـ “صفقة القرن” التي لا تبقي ولا تذر من أعمدة وثوابت القضية الفلسطينية وتنهي حلم الدولة وتُثبت أركان الاحتلال، وما رافقها من إغراءات مادية واقتصادية بداية الأمر إلى التهديد والوعيد وقطع العلاقات مع كل من يخالف تلك الصفقة، امتدادًا لقمم الاستسلام التي بيعت فيها فلسطين التاريخية ووعد بلفور البريطاني.

واليوم، حاولت واشنطن لتلصق “الإرهاب” بالمقاومة التي تحاول تحرير شعبها من احتلال ما طال أمده حتى يومنا (70 عامًا) إلا بـ “فيتو” ومشاريع القوانين الأمريكية في الأمم المتحدة على مر السنين. وهي تطرح قرارها بعدوانية فظة بذات الأيام التي أصدرت فيه الجمعية العامة قرار تقسيم فلسطين وإنشاء “وطن قومي” للمستوطنين اليهود من شتى بقاع الأرض في أرض فلسطين الوقفية.

ومشروع إدانة حركة ‏”حماس” في الأمم المتحدة، لو استطاعت واشنطن وتل أبيب تمريره يوم الخميس الماضي، يعني أولًا تخلي المجتمع الدولي عن بند مهم وتشريع قديم في القانون الدولي وهو حق وشرعية المقاومة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وهذا يعني أن يصبح الاحتلال “مشروعًا” بكل ما يتسبب به من جرائم ومآسي وويلات للشعوب المحتلة.

وتعتبر إدانة حماس، كـحركة مقاومة، فيها إدانة للشعب الفلسطيني برمته وكل فصائله تبدأ بـحماس ولن تنتهي بـفتح، وحتى سيطال ذلك ‏منظمة التحرير أيضًا، ولا ننسى أن واشنطن أغلقت قبل فترة قصيرة ممثلية المنظمة في الولايات المتحدة وأنهت، تقريبًا، الوجود الدبلوماسي للفلسطينيين في الولايات المتحدة.

وفي مشروع الإدانة الذي عكفت واشنطن، مدفوعة بالانحياز لتل أبيب، على تقديمه للجمعية العمومية للأمم المتحدة، تغطية كاملة على جرائم الاحتلال منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا، وكان من المتوقع في حال مرور القرار أن يشنّ الاحتلال حربًا بتغطية وموافقة أوروبية ودعم أمريكي على قطاع غزة؛ بدعوى تواجد ثقل حركة حماس في القطاع المحاصر منذ 12 عامًا، وذلك إذا ما التفتنا إلى تصريحات قادة جيش الاحتلال بأن الحرب في الجنوب (غزة) قد أجلت الشهر الماضي بدعوى الانشغال بأنفاق حزب الله اللبناني في الشمال.

ولاستيضاح الأمور في جوانب أخرى فإن تمرير القرار يعني؛ وسم الشعب الفلسطيني بـ “الإرهاب”، حيث أن شرعية الشعب جاءت أو كانت بداياتها من البندقية والمقاومة؛ ولقد لوحظ مدى وحجم استهداف فلسطين المحتلة منذ لحظة وصول دونالد ترمب والإدارة الأمريكية الجديدة للبيت الأبيض والحكم في واشنطن ابتداءً من منظمة التحرير الفلسطينية التي أوجدت السلطة فيما بعد، ومن قبل ذلك المشاريع الأمريكية التي حاولت تسييس سلاح المقاومة وتحويره وقلب أساس وجوده عبر ذريعة تسليح أمن السلطة وتدريبه من خلال برنامج دايتون.

وليس خفيًا أن الولايات المتحدة تُلاحق كل ما أقرته الأمم المتحدة من قرارات لصالح القضية الفلسطينية، ومن ذلك قضية اللاجئين ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، بالإضافة لمدينة القدس المُحتلة والاستيطان.

تُرِيد واشنطن من هذا القرار، وهو من أهداف إدارتها الخبيثة، فرض رؤيتها المتطرفة على العالم، استمرارًا لمقولة جورج بوش الابن إبان الحرب على أفغانستان والعراق “من لم يكن معنا فهو ضدنا”.. صحيح أن ترمب ربما يختلف فكريًا أو حزبيًا في منظور الأمريكان عن بوش وإدارته في حينها، ولكن ملة الكفر واحدة، وجميع الإدارات الأمريكية استهدفت فلسطين المحتلة وقضيتها العادلة وأرادت أن تحصل لـ “إسرائيل” على إنجازات عبر السياسية بعد أن ثبت “عجز” تل أبيب وجيشها المسلح بمختلف أدوات التكنولوجيا المتقدمة أمام المقاومة الفلسطينية بأدواتها المختلفة.

ويعتبر القرار، الذي ما تجرأت على الحوار مع الدول العربية للتصويت لصالحه إلا لأن عددًا من الأنظمة العربية الرسمية هرولت إلى التطبيع مع الاحتلال وإنشاء علاقات اقتصادية وسياسية معه بزعم محاولة حلحلة القضايا المتعثرة في مفاوضات التسوية السياسية بين تل أبيب ورام الله، بمثابة الحرب على فلسطين والأمة العربية برمتها.. واعتداء على الحريات والقوانين الناظمة لها دوليًا. ومحاولة أمريكية لإنقاذ دولة الاحتلال التي كشفت مسيرات العودة وجولات القتال مع المقاومة على حدود قطاع غزة ضعفها وعدم تماسكها داخليًا.

في نهاية المطاف، عدم اعتماد الجمعية العامة لمشروع القرار الأمريكي حرم سفيرة واشنطن نيكي هايلي من خدمة أخيرة لتل أبيب ومن إنجاز ستضمنه ملفها وسيرتها الذاتية إذا ما أرادت أن تخوض غمار الحياة السياسية من جديد بعد أن تُغادر منصبها، مع نهاية هذا العام ربما، حيث أنها كانت قد قدمت استقالتها لدونالد ترمب وتمت الموافقة عليها مسبقًا، وهي التي منذ أن وصلت إلى الأمم المتحدة تُفشل كل القرارات ضد الاحتلال وحاولت جاهدة أن تجعل من “إسرائيل” أساسًا في الأمم المتحدة و”مُسَلّمًا” يُمنع الاقتراب منه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق