ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ماذا وراء مشروع الإدانة الأمريكي لحركة حماس في الأمم المتحدة؟

 

فشلت الإدارة الأمريكية بالأمس مرة أخرى بتمرير مشروع قرار يدين حركة حماس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت قد فشلت في أيار الماضي باستصدار قرار إدانة مماثل بحقها من مجلس الأمن الدولي. لماذا تقدم واشنطن على خطوة كهذه؟ وما هي الدلالات التي يفصح عنها الجهد الأمريكي المبذول في هذا الاتجاه؟ وكيف تنعكس تداعيات ذلك على الصراع (الفلسطيني الإسرائيلي)؟ وهل يلقي السلوك الأمريكي مزيدا من الإضاءة على حجم الأطراف المنخرطة فيه، وعلى مدى اتساع ساحته المشتعلة؟

تستند الإدارة الأمريكية في جهودها لاستصدار القرار بحجة (إطلاق صواريخ ضد إسرائيل وتعريض حياة المدنيين للخطر). في الأثناء يتم تجاهل صفة إسرائيل الاعتبارية كقوة إحتلال تستبيح الأرض والإنسان والتاريخ الفلسطيني على مدار عقود طويلة، وهي حالة تؤكد على تعمد الولايات المتحدة على خلط أوراق الصراع، والتعمية على حقائقه الراسخة في الوقت الذي تسعى فيه لتسليط الأضواء على بعض ردود الفعل الفلسطينية على جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

من جهة أخرى، تنزع الإدارة الأمريكية عملية إطلاق الصواريخ من سياقها الطبيعي بوصفها ردا على عملية اعتداء إسرائيلية واضحة استهدفت الفلسطينيين في غزة، وهو الاعتداء الذي تم ضمن سلسلة جرائم ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في الشهور الماضية، حيث قتل وأصاب مئات وربما ألوف المدنيين الفلسطينيين وهم يشاركون في فعاليات مسيرة العودة الكبرى، الأمر الذي تجاهلته الإدارة الأمريكية تماما عبر صمتها المشين إزاء قتل المدنيين الفلسطينيين بدم بارد.

وهي حالة تفتح الباب واسعا على حجم التناقض وازدواج المعايير الأمريكية وهي تقيم حركة الأحداث وتتخذ منها موقفا. يقود ذلك بالضرورة إلى نشوء التباس في مفاهيم رئيسية من قبيل المدنيين والقتل والمخاطر كما العنف والارهاب! وكأنه يبدو في عرف الأمريكيين بأن المدنيين ليسوا سواء، وأن القتل وتعريض حياة الناس للخطر ليس سواء أيضا. إن مصطلحات كهذه لا تعبر عن دلالة ثابتة وفقا للمنظور الأمريكي، بل هي حمالة أوجه، وتكتسب دلالتها تبعا لمن يمارس الفعل ومن يقع عليه الفعل. من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة تتجاهل دوما دوافع أفعال أطراف الصراع وموقع كل منهما في معادلته (احتلال/ شعب واقع تحت الاحتلال)، الأمر الذي لا يساعد على الوصول إلى تصورات صحيحة، أو تبني مواقف عادلة إزاء سلوك أطراف الصراع. يكشف كل ذلك عن حجم الفجوة الأخلاقية، وعدم التصالح مع الذات لدى القوة الأكبر والأكثر تأثيرا في النظام السياسي الدولي، وهو مؤشر على اختلال الأسس التي يسير النظام المذكور وفقا لها.

لا تعتبر المساعي الأمريكية في هذا الاتجاه غريبة أو استثنائية بل تعكس أدوارها التاريخية بوصفها طرفا أصيلا في الصراع العربي/الفلسطيني-الإسرائيلي، ولذلك فإن الغرابة لا تكمن في دلالة ودوافع الموقف الأمريكي بل في وصف ذلك الموقف بالمنحاز، فهل حقا أن الولايات المتحدة منحازة لأحد طرفي الصراع أم أنها مركب رئيسي فيه؟ وإذا كانت أمريكا طرفا في الصراع (وهي كذلك حقا) وتقوم بأدوارها فيه بفاعلية ونشاط، ألا يستدعي ذلك نهوضا فلسطينيا وعربيا وإسلاميا مكافئا؟

لا يبدو الجهد الأمريكي منقطعا عن مقدماته الموضوعية، بل يأتي كنتيجة لسياق متآلف بات يفرض شكلا محددا لطبيعة الصراع/ العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو سياق بات مريحا أكثر للاحتلال الإسرائيلي وحلفائه للتصرف بطريقة أكثر عدوانية ورعونة، وإن أبرز تجليات هذا السياق يتمثل بالهرولة العربية الرسمية للتطبيع مع هذا الاحتلال، وتبييض صورته، ونتيجة لذلك فقد قامت الإدارة الأمريكية بحث أطراف عربية عدة لدعم مشروعها الهادف لإدانة حركة حماس. وبغض النظر عن مواقف هذه الأطراف أو مدى استجابتها للرغبة الأمريكية، فإن ذلك يؤشر على مقدار الخلل الذي يعتري معادلة الصراع القائمة في المنطقة، وعن حجم التفكك والانزياح في مواقف الظهير المفترض للشعب الفلسطيني، كما يؤشر على الأسباب الوجيهة التي تجعل أحد طرفي الصراع يكسب المعركة فيما يخسرها طرفه الآخر.

في ظل هذه المعطيات تبادر واشنطن لاستهداف المقاومة الفلسطينية – وهو استهداف يطال الشعب الفلسطيني وقضيته الجامعة-حيث أضحت تجسد عنوانا لصمود وممانعة الشعب الفلسطيني، ورمزا لرفض الاستسلام والخنوع، وباتت تمثل حجر عثرة في وجه الجهود الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، ومانعا يحول دون مساعي تغيير طبيعة الصراع لصالح الاحتلال.

يشكل الرفض الفلسطيني الرسمي والفصائلي لمشروع القرار الأمريكي حالة إيجابية، ويمثل فرصة سانحة ينبغي استثمارها لتوحيد الموقف إزاء قضايا الصراع الجامعة، والعمل على تجاوز حالة الانقسام السياسي البغيضة التي حكمت العلاقة بين فصائل شعبنا الكبرى في السنين المنصرمة. غير أن هذا الرفض الموحد للمشروع الأمريكي لن يؤتي أكله على أكمل وجه في الوقت الذي تستمر فيه السلطة الفلسطينية في حصار قطاع غزة وفرض العقوبات عليه.

 

د.عبدالسلام معلا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.