ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

نور بركة .. نور غزة

مآثر شيخنا السادرة، والتي ترددتُ بإخراجها من وعاءِ الروح كي لا تمسها أدخنة النفوس!

ولكني أرى غفلتنا حِميْة والنظر في سيرة سيدّي وشيخي نور بركة دواء، وإن استعمال الدواء مع الحِميْة شافي ونافِع!

فآهٍ لِتلك التقنية التي تجعل كلماتنا -حتى في رثاء المخلصين- متماثلة، فلن تبصروا ارتعاشةَ أناملي عندما كتبت عنه، ولا المعاناة التي استودعتها انحناءات الحروف!

فإن الدنيا حين تسيء إليك تبعث لك باعتذارها متخفيًا في (أحدهم)؛ ومن عايش الشيخ نور بركة، سيجد أنه كان يلتمس اعتذارات الدنيا (فيه)!

لن أهتم للنص النحويّ واللغويّ؛ فنور بركة (النَص كُلِّه)؛ وآثاره (اللغةِ كُلِّها)!

قد كان يبث السعادة في حياة الغزاوّي -حتى بعد استشهاده- وكم ضحكنا على هزيمة الصهاينة عند نشوة الانتصار المستحقة في فيديو الباص والعَلَم، وإني لم أعرف أحد قط في حياتي لديه من (التشدد بالدين) مثله، ورغم ذلك كان لديه من الرقةِ ما يكفي لتحويل أي شعورٍ مزعجٍ إلى لطافةٍ غامرة -كأنطي التي كانت تخرج منه بكُل عفوية مداعبًا بها شقيقته ايمان-!

يذكُر ابن الجوزي أن مِن الناس من يُذكر بالخير مدة مديدة ثم يُنسى، ومنهم من يذكر مئة سنة ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلام يبقى ذكرهم للأبد؛ كحال نورنا وبركتنا؛ -فذات اخلاص- رغب ألا يمُر على أرض غزة بل على المجرة مرور العابرين، فقد كان يقول بكُل رجائه: (اجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين)، نعم فأنا الّذي سمعته في تِلك الليلة التي جمع فيها قُرابة ال100 شاب بمسجد أبو شنب مِن أجلِ أن يحيوا تلك الليلة بل ومن أجل أن يختموا الوحي المجيد في ليلة -والله في ليلة-، وقد ختمناه في تلك الليلة، بفضل نور فؤاده وبركات قلبه بعد فضل الله ومنته، ذلك أنه وزع عدد الصفحات على كُلِ شابٍ إلى أن تنتهي الختمة!

ولا أنسَى عِندما أحضر مولانا د. يونس الأسطل كي يُلقي كلمته عن محاضن القرآن وأسباب الثبات.. كيف كانت عيناه تندفع صوب نورنا وبركتنا كما تندفع حمامة نحو المئذنة، أراد أن يخبرنا: أنظروا لهذا معيَ.. ذاك هو المحضن الأول للثبات.. وكانت له ثمرة الثبات!

فبينما تطير عنا سواكن النفس، وتقتحمنا أحرف بوست وآهات فقدٍ، وتهرب من بين أيدينا أسباب الحياة، الآن.. نعم الآن!

هُناك في خمائل الآخرة وبجوار النبي -صلى الله عليهِ وآله- قرآن يُتلى بالقراءات العشر.. من نور الوحي وبركته! بقايا اخلاصه دون تتبع آثاره؛ رشحٌ للروحِ، فلندرك قبل أن تطير فراشةُ القلبِ: – كان يُخالف قواعد الاعراب مع اسرته ومع كُل من عرفه، فكان إن جاءته (عيوش) مكسورة؛ يضمها..!

– كان يكّف أذى النّاسِ عَن النّاس.. ولّم يقُل كالبعض: (..وأنا مالي)! ويا ويحنا؛ تَرك الغيبةِ جمرٌ لم نقبِضْ عليه بعد استشهاده..!

– حدثته ذات يوم عن غرورِ بعض الشباب الملتزم -والذي يقذف نفسه في تابوت العدم منتحرًا- وكيف لنا أن نُعالج هذا الأمر باقتراحاتٍ قلبية، وقد سألته متعمدًا أمام من كان يتذوق طعم نفسه، فقال: (ومين احنا يا عبدالله)، وأكمل ناصحًا نفسه أولًا: يذكر ذنبه ويكون له ورد خاص لمذاكرة نعم ربه عليه، وان استطاع أن يقرأ الوابل الصيب لابن القيم وشرحه لحديث سيد الاستغفار فليفعل؛ وهيا نفعل!

– حدثني أحد الأصدقاء: في أخر أيامه كانت ضغوط الانشغالات تأكله.. حتى تَعِب؛ فقد كان يتعب كي ينسَى التّعب؛ حتى يتعب منه التّعب! وكأن به يبتهل: كيف أتعب وأنا الّذي كتبت رسالتي: الإهمال في العمل الجهادي! وكم راحةٍ جاءت من التّعب!

– من عرفني؛ وجدني مُغرمًا بالعطر وملازمًا له حد النفس لي.. وقد طيبته ذات يوم وقال لي: لو تنوِ أن تتخلق بخلق أنس بن مالك المهجورعِندنا حيث كان إذا أصبح أدهن يده بدهن (عطر) لمصافحة إخوانه‏.. ومن حينها وقد وضعت لهذا لأمر نية.. كان نور لقلوبنا من سياج العتمة وعوالم الرماد!

– جاءته أيام يعمل في الحكومة، حتى قدم استقالته.. لأجل أن لا يُلوث قلبه بأدران العواصف، ليتخذ له موئلًا خديجيًا إذا تلبس به شيء يقول: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا!

– كان ينظُر للشاب المُلتزم والّذي تتشكل مشاعره عِند كُل تقنية جديدة في السوشيال ميديا وفي كل ميادين الكاميرا، بل والذي يهتم بلباسه ما إن تنزل موضة جديدة إلا ويطرد الزهد بها؛ نظرة سلبية.. وقد كان يُسمي هذه (بالقشور) التي تصنع شاش بين القلب والسماء

– كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك حتى لا تُشمّ منه زوجته شيماء -صبرها الله- رائحةً متغيرة.. وهوَ الّذي به رائحة المطر، عندما خرج من مسجده عند الشروق لتعانقه تلك الغيمة الماطرة!

– لم يفوّت تكبيرة الاحرام إلا ثلاث مرات: واحدة كان منشغلًا بالتدريب، والثانية كان في المعركة، والثالثة تعجل المسجد فقام الصلاة مبكرًا (1).. والرابعة: فجر يوم الاثنين عِندما فقدته شمس الشروق وغيوم السحابات التي كانت تعرفه جيدًا!

– كان ينظر للإنسان المترقب نظرة سلبية، ويُمكن تسميتها مُشكلة (ترحيل المهام)، كما أسماها مولانا (ابراهيم السكران) -فك الله قيده-، وقد كانت له البصمات في كُل الميادين دون تذمرٍ أو ترصعٍ.. ولا يُمكن للكسل أن يصيب جذور قلبه! – (جئتني بالتمر ولّمْ تنزع عنه النوى) إلى الّذين مستهم رياح الظروف وآهات الحياة المؤلمة، إلى الذين كانوا يعانون من صقيع الكرفانات وحرها، إلى الّذين كانت سعادتكم معلقة بخفقات نور، مات نور!

إن جاؤوكم الآن بالتمر؛ فمن سينزع عنكم نوى الفقد ويأتيكم بلطافة المحسنين المختبئة ليسقي لكم ثم يتولى إلى الظل دون أن تعرفوه قط..؟! لقد كان كأغلفة الهدايا ليس له نصيب من الفرح؛ سوى أن يصنعه للمحتاجين والفقراء!

– صفعني ذات يوم بمطرقة ترهيبه: عن تقصيري في اتمام حفظ القُرآن! وقد أخذت عهدًا أن أُكمل حفظه بتوفيق الكريم الجميل!

– قال لنا أحد الأصدقاء: أنه كان معه في سيارته وجلب الآيس كريم.. وعند الانتهاء من أكله قال: هذه لذة الدنيا تذهب في دقيقة.. فكيف بلذة الآخرة.. وقد كان يستحضر الآخرة في شؤون حياته كلها -ومن لازم الشيخ عرف ذلك- أراد أن يعلمنا أن لذات الدنيا كالوردة، يبدأ موتها حين تنالها وتقطفها!

– بينما تنقلب أضلاع البعض حطبًا، وتشتعل أنفاسهم بلهب الضيق الثقيل في غزّة، وتقف أرواحهم حافية على مثل الجمر حيرة وقلقًا وإكتئابًا من الظروف الصعبة.. يأتي نور النور لينتشلهم من عتمة الإهمال إلى عتبات الإهتمام ويساعدهم؛ وقد حدّث أخ لنا أن أسرة في مدينة حمد كان يرعاها الشيخ بمصاريف الإيجار والجامعة بل ومصاريف الطعام، دون أن يعرفوا اسمه، فقد تولى إلى الظل بعدما تفقدهم!

– كان عزيز النفس؛ كالشجر الّذي يموت بجانب البئر عطشًا لكنه لا ينحني أبدًا لطلب الماء، وفي مجلسٍ كانت تتخلله الأدعية الصاعدة، كان الماء بعيد عنه.. ويجب أن يتخطى عدة أشخاص كي يصله؛ فإذا بهِ يقوم ويجلبه بنفسه.. مع اندهاش الجميع من صنيعِ فعله!

أراد أن يعلمنا أن التعفف عما في أيدي الناس، -ولو كان شربة ماء- من أخلاق الربانيين، وليس يطلب الإنسان شيئًا من غيره، إلا إذا كان دانيًا منه كأنه نفسه -نعم نفسه- أو شبيه روحه، ومن ذا الذي يصفو جوهره في هذا الحصى البشري المتناثر إلا أقل القليل! مَن..؟! وقد قال شيخ الاسلام: ومتى احتجت إلى الناس -ولو في شربةِ ماء- نقص قدرك عنهم بقدر حاجتك لهم! – في مشهدٍ عاينته، عِندما كان يُعاتب أحد الأخوة عن تقصيره في باب الدعوة، وأنا الجهاد يُشغله كثيرًا، قال: عِندما أذهب لجلستي الدعوية أقطع اتصالاتي مع الجميع، بَيْدَ أنني أترك خبرًا عن مكاني عند أحد الأخوة، لحدوث طارىء!

كان (قلبه) كالجدار الشامّي العَتيق.. في كُل بيت له ياسمينة.. وفي طريق الدعوة له ورود مشرقة!

– هو الّذي كان يبيت في سيارته لعشرات الأيام ويتوسد سلاحه وكتابه، بعدما قصف العدو بيتهم في حربِ الفرقان وكان حديث عهده بالزواج.. دون أن يُخبر أحد بقصته.. ليظهر بعدها شعاع نوره في الأفق!

– يُحدثني أحد الأصدقاء، في أيام الاعتكافات أنه كان لا يأكل في أغلب الأيام من طعام المعتكفين، لأن في ظنه أن هذا بزخ واسراف وأنها أيام زهد.. لا أُبالغ إن قلت لكن أنه كان يُشبه ورق المحصف بجماله وأناقة روحه!

– كان كريمًا جدًا جدًا، فتراه يُجلب للمجاهدين أشهى الطعام وأغلاه -رغم عددهم الكبير- إلا أنه يتعامل مع العباد بخُلق.. لأجل أن يتعامل معه الكريم بهذا الخلق!

– الحُزن لا بُد أنه مثل العلكة المضموغة حين تعلق بالثياب فإنه يحتاج إلى تجارب الأمهات في الغسيل لإزالته بالكامل.. بالضبط هكذا كان يفعل مع آهات الحُزن التي تعتري من حوله وخاصة أهل الشرقية.. إنه كالأم للجميع!

– كان يجرحه حال غزة حتى عرى صبره؛ فخطب ذات يوم في مسجدِ حمزة ينسج معطف ترهيب المسائيل وتذكيرهم بأحوال المساكين!

– حدثني أحد الأصدقاء قائًلا: كان الشيخ نور في عُمرة، وفور أن وصل منها لغزة آتى إلينا قبل أن يذهب لبيته.. وجلب معه -كعادته- أقراص الكعك الشهي! كأنه أراد لقلبه أن يُعيد نبضه السماوي مِن جديد في ميادين الجهاد! – كان كتوم جدًا حتى بمشاعره الايمانية، وأذكر أن الأقدار جمعتنا لتناول الطعام، -وكما قد علمتم أنهُ كان يصوم صيام داوود- حينها أشغل نفسه واعتذر وخرج، وفور أن خرج، هتف أحد الجالسين: الشيخ نور صايم!

حتى رأيناه ينفر به، وكأنه يقول له: قد حركت أوراق الاخلاص.. وعلها لا تتساقط؛ لأنك أمسكتها بلسانك!

– طلبت منه أمه ذات يوم أن يأخذها للبحر، وكان في عجلة من أمره لموعدٍ له؛ فأجل الموعد وأخذها.. ويُكمل لي القائل: وكان حينها ثمن السولار غالٍ وهو في أوجِّ أيام الحصار! أراد أن لا ينطفىء فتيل الحنان من أمه.. فتُظلم أيامه وهو النور كله!

– كان لا يُحب أولئك الّذين لا يتعاطفون مع المظلوم البعيد لأن هناك مظلوم آخر في مكان أقرب، وأولئك الذين يستهينون بحجم تعب المساكين بحجة أن الكل متعب! فرغم كثرة أعماله.. إلا أن نسيم الدُعاء المنبعث منه يوزعه على كُل المظلومين حتى في سوريا وبورما..!

– رأته ابنة اخته في منامه -كما حدّث شقيقه البروفيسور سليمان- بعد استشهاده وقال لها: افتحي يا خال على صفحة 72 واقرئي عني ! أراد أن يتسلل القرآن لنّا عبر ابنة شقيقته.. كطيف يمسح عنا النعت، ويصب في قلوبنا الهدأة الغامرة والسكينة المبتسمة والسعادة البيضاء!

– كان كثير الصمت قليل الشهرة.. وكان لا يُحب الظهور أبدًا أبدًا.. بل في مسيرة دعت لها الحركة، رأيته يتهرب من الكاميرا، وكأنها تُطفىء أضواء قلبه، وقد قال الإمام ابن حزم كلام بديع في هذا -لمن أدمن الشُهرة-: (كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع -منصب أو غيره- فكان ذلك سببًا لهلاكه، فإيّاك وهذا الباب فإنّه ضرٌّ محض لا منفعة فيه أصلاً)!

– المُخْلِصُون؛ هم الأكثر تعرُّضاً للصدمات.. وقد تعرض نورنا وبركتنا لعديد من الصدمات في حياته، ومنها فقده لأبيه، وحبسه في السجون المصرية واصابته من العدو.. وغير ذلك مِن الصدمات التي لا يتسع لها المقام هُنا.. ليُعلمنا أن التعب إنحناءة لا انكسار – رغم كثرة أشغاله إلا أن لحظات بعد الفجر لا يُمكن أن تفوته.. فالشمس كانت تُقبله قُبلة الصباح اليومية، حتى فقدته مرة واحدة وهيَ يوم استشهاد!

قد كان يشعُر وكأنها لحظة سلام… وسكينة عجيبة.. كأنَّ الكون كل الكون مغطى بشال أمه التي أحبها!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.