تدوينات

(آيلا؛ ابنة الحرب)!

غيماتنا لم تعُد حُبلى يا أصدقاء، (فسُليمان وآيلا) قد استنفذوا مطر هذا العالم بإنسانيتهم..!

قبل أن تقرأني؛ اقرأني بقلبك، فلا فائدة من قراءتك دونه، والله لا فائدة.. فهو الذي سيمدك بحقول الإنسانية التي هُنا لتُثمر فور أن تنتهيَ من القراءة.. هيّا بنا:

هذا الركض المحمول خلف المال وعُصارة الشهوات وحُب الأنّا، اللهث المستمر بحثًا عن الشُهرة واللايك، يا له من سخفٍ أن لا يبقى على قمة قلبك غير هذا الزبد! أن لا يبقى في لوحة أمانيك سوى هذا الغثاء!

أن يجري عقرب ساعاتك طلبًا للذات وحُبًا للأنانية تسفها رياح الزمن.. أن تجعل مشاعرك وأفراحك وأنسك وكُل اِنسانيتك -إن وجِدت-، إلى آخر ما لا تعود به الأيام أن تجعلها نفلًا لها فضلة الوقت والمزاج والإكتئاب، أن تُحاصرها بالطقس لا بالحُب المُتبقي والإنسان الدائم!

أن تُكن عاريًا مِن الانسانية؛ هذهِ الكارثة يا صديقي!

فكثير هُم البشر، ولكن؛ قليل هوَ الانسان.. والله قَليل والله قَليل!

حسنًا إذن:

تبدأ القصة عِندما كُنت أبحث عن تاريخ مدينة في تُركيا وإذا بي أرَ إعلان لفيلم تركي كوري، حيثُ تدور أحداث الفيلم عن قصة حقيقة حدثت للضابط والرقيب التركي (سليمان ديلبيرليغ)، ذلك أنه بُعث لكوريا في خمسينيات القرن الماضي عندما حصلت الحرب بين الكوريتّين الشمالية والجنوبية، وفي طريقه لغابة هُناك وجدَ بين قتلى الحرب طفلة مسكينة مات أهلها؛ ليقوم بنشلها من عتمةِ الخوف إلى عتباتِ السعادة ونشوء علاقة صداقة بينهما!

جاء حنان سُليمان لها بالضبط.. كمدينة سوريا المذعورة، والذّي أقام في طُرقاتها الدمار دهرًا.. وضجت أزقتها بأصوات المدافع ونواح المنكُوبين.. جاء كطمأنينة الأذان بها! 😥

ذهب بها لمخيم التدريب بين الجنود الأتراك، وقد تعلقت به كثيرًا، وجد من نفسه أن يسميها اسمًا جميلًا فأطلق عليها: آيلا؛ لأن وجهها مستديرًا كفلق القمر، بدأت تتعلقُ بهِ كثيرًا وتطلق عليهِ: أبي، فتعلق بها هوَ الأخر؛ كيد مدُت لغريق!

كانت تنتظر صاحبنا سليمان فتاته الأخرى في تُركيا ليتزوج بها.. حتى أنه بدأ ينساها شيئًا فشيئًا فقد وجد قلبًا آخر سرقه، وعندما كان يبتعد عنها لدقائق تبكي.. ويطلب من رفيقه أن يعتنيَ بها!

الفيلم مرشح للأوسكار؛ فخلال شهرين مِن انتاجه بلغت عدد مشاهداته 5 ملايين!

ومن شِدة تعلقهم ببعض، عندما طلبوا منه أن يذهب لأنقرة، وذلك لأن الحرب في كُوريا قد اِنتهت؛ اصطحَب آيلا معهُ في حقيبةِ السفر حتى كُشِف أمره!

يقول موقع TRT التُركي:

“عندما عثر الرقيب سليمان على الفتاة في الغابة كان عمرها 5 سنوات، أحضرها معه إلى الحامية التركية واعتنى بها لمدة 14 شهرًا، ثم بحث عنها بعد 60 عامًا، فوجدها والتقيا من جديد”

شاهدتُ الفيلم -غيرَ مرة؛ وما زلتُ أشاهده- أنا وصديقٍ لي وشقيقي الأصغر ياسين، أذكُر أن خجلي بدأ يضُم دموعي، كي لا أشُعرهم أنني أبكي، فقط كُنت أخرج مُرتجفًا مِن أعماقي، لدرجة أنني رفضت أن أُشاهده مع عائلتي لأنني لا بُد أن أضع يداي على وجهي، لا بُد!

وحدها ضحكاتي المُتصنعة كانت تُرشي الريح حتى تجف الدموع!

فسُليمان وآيلا الحقيقيين ما زالوا على قيدِ الحياة وعلى قيدِ الحُب أيضًا!

ففي اللحظات النهائية للفيلم يُعرض مقطع صغير جِدًا -وضعتهُ في أولِ تعليقٍ- لسُليمان الحقيقي مع آيلا الحقيقية، ويا للإنسانية التي سكنتني حينها.. حتى زرعها سليمان في قلبي لتنبُت علي وجهي، جراء ما أسقتها عينايْ!

يُعلمنا الفيلم كيف يُمكِن للحُب التقريب بين الناسِ بالرُغم من سياج اللغة وعائق العرق، بل وكيف أن الإنسانية أقوى من كُل الحروب مِن كُل النواح وآهاتِ الفقد!

فآيلا العظيمة:

لم يكنْ جوفُها يُشبه جوفَ إنسيٍّ آخر، إذ كان عندَنا قلبُ دمٍ يدفُق، وعندها قلبُ طفلٍ يخفُق شوقًا لسُليمان أبيها، ولدينا قفَصٌ صدريٌّ ما له مفتاح، ولديها الأقفال جميعًا، فذا مفتاحُ شوقٍ وذاك مفتاح حنين، وهي التي كانت تخيّر بينهما، لترسمَ بوصلة ترحالِ فؤادِها لبلاد الأناضول، وتوضحَ له معالم الطَّريق، كَيما يسافر بعيدًا بعيدًا، بين غيثٍ وبين غمام، ويحطَّ عنده ويخبرَه: (ما أكثركَ يا سُليمان في قلبي)!

طبعًا بعد أن جمعتهم الأقدار؛ أصروا أن يُشاهدوا الفيلم سويًا ولكن الحكومة الأمريكية منعتهُم مِن ذلك عندما تم عرضه في مهرجان هوليوود للسينما التُركية في فندق (بارامونت)، فقد حالت للقلبّين البريئّين (سليمان و أون جا) دون مشاهدته معًا!

وهُما البطلان الحقيقيان للفيلم، حتى ذهبت آيلا -أون جا- إلى مُشاهدة الفيلم لوحدها، بدون سليمان أبيها الذي انتظرته لعشرات السنين الثقيلة!

من قال أن أمريكا إنسانية فهوَ واهِم حقًا، بل هي تلك الطحالب التي تمتد بيننا لتلوثنا شيئًا فشيئًا، نتوهم أنهم يقفونَ بجوارنا، تمامًا كما تقف زجاجة ماءٍ بجانب نبتة صغيرة ذابلة!

فما أكثر الذين ودوا لو عاد سواد الشعر إليهم فيعيشوا ضحكات أبنائهم ومزاح إخوانهم وإنسانية طفولتهم وشظف العيش الذي كان يجمعهم في سفرةِ واحدة وتلك الإنسانية الفطرية البريئة -كما عاشها الرائع سليمان مع آيلا-.. ذاك قد تزوج فخرج عن بيت أمه وأبيه قُبيلّ أن يعيش معهم الحُب الإنساني، ثم ها هم أولاده يتزوجون فيخرجون قبل أن يعيش معهم، حتى إذا أمن مستقبله الجميل وبنى داره وزوج بنيه.. قال لسان حاله: الآن نبدأ الحياة.. الآن الحياة انتهت يا عمّاه، والله انتهت!

يقول غاندي:

(يجب أن لا تفقدوا الإنسانية، أن الإنسانية مُحيط وإذا ما كانت بضع قطرات من المُحيط قذرة، فلا يُصبح المحيط بأكمله قذرًا)!

إن كان ما حولك عاريين من الإنسانية فلا تكُن مثلهم، كُن كسُليمانٍ بينهُم!

أنت الآن شاب، وتخيل هُنيهةً أنك أصبحت في الستين وما زلت على ما أنتَ عليهِ، لا تُحيطك الإنسانية ولا تشملك الرحمة، أن تقف على باب مجلسك -حينها- متوكئًا على عصا ستينك تقلب طرفك في مجلسٍ ذهب الزمان ولم تبتع لأسماره أصحابًا.. تنظر في يدك، فإذا هي قابضة على عصاك.. لا على يد ألفت التربيت على كتفك، يد اِنسانية دافئة -كيد سُليمان عندما تُدفىء آيلا-، تجلس في حضرةِ الليل، فإذا هي نفسك أغوار موحشة، لم يؤنس طرقاتها أحد.. تنظر في حكاياك، فإذا هي تعنيك وحسب، ليس فيها غيرك، ولا يسع أحدًا أن يسمع تفاصيلها سواك! تنوء روحك بالأثقال، ويقع حمالك إعياء قبل أن يشرع له صدر يلقي الأثقال في رحبتهِ كصدر صاحبنا سليمان، ويمضي خفيفًا.. نعم؛ حفيفًا!

يا سُليمان الإنسانية:

عيبُنا -وعلهُ ليسَ بعيب- أننا عاطِفيّونَ جدًا -أقسم؛ جِدًا- وإنسانيون جًدا؛ حدَّ الإفراط..! ومصابُنا يا آيلا أن الحياة تهوى صفعَ هؤلاء كثيرًا!

فأولئكَ الذين يكسرون قلبًا، فينتزعونَ شيئًا من سلامه -ليُباعدوا بينَ مُحِبينِ-، كيفَ تملِكُ أفواههم أن يقولوا في صلاتهم: (السلامُ علينا وعلى عبادِ الله)!

كيف؟! سؤال يبحث عن أدق تفاصيلك:

كيف..؟!

فالسلام على آيلا الحُب والحنان والصبر.. السلام على سُليمان الذّي بإنسانيته نتف أعشاب طُفيلية نمت على ضِفاف مسارب ذوات البعض!

السلام على قُنصلية كوريا التي جمعتهم مع بعضهم؛ حتى تعانقوا فبكوا؛ لأبكيَ معهُم!

(وأحسنُ حالة الإنسانِ اِحسانٌ .. وأكمل وصفهِ حاء وباء)!

اللهم كما جمعتهم في هذه الدُنيا، اجمعهم في جنتك.. فأنت القادِرعلى كُلِ شيء، على تقلُب القلوب من الكُفرِ للإيمان!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق