إشراقات سياسية

لن يطفأ سراج القدس

من حسن حظ القدس ان الله تبارك وتعالى قد باركها وما حولها من فوق سبع سموات وأسرى بآخر وأشرف أنبيائه محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى المسجد الأقصى المبارك وصلى فيه إماماً بالأنبياء والرسل جميعا وعرج به إلى سدرة المنتهى منها، وإنها أرض المحشر والمنشر وإن الله ربط بين مسجدها الأقصى والمسجد الحرام برباط رباني أزلي لن تفصم عراه أية قوة بشرية مهما بلغ جبروتها واشتد طغيانها، لأن المسجد الأقصى والقدس آية في كتاب الله تبارك وتعالى.

فالقدس ليست مدينة كالمدن ولا عاصمة كالعواصم، إنها مركز الإشعاع الذي لا يذوي ولا ينطفئ، يتفجر بمعان تاريخية ودينية وحضارية، وإن التفريط فيها يعني تفريطنا في جزء من تاريخنا وجزء من ديننا وجزء من حضارتنا، كما إن التفريط فيها جريمة الجرائم في حق الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن حسن حظ القدس أن التاريخ البشري دائم الحركة والتغيير والغزوة الصهيونية لمدينة القدس ليست فريدة، فقد واجهت هذه المدينة عبر تاريخها الطويل الموغل في القدم كثيرا من الغزوات والنكبات أدت إلى هدمها وإعادة بنائها مرات كثيرة، وكانت في كل مرة تخرج مرفوعة الرأس موفورة الكرامة والصلابة بصورة تدعو الى الفخر والاعتزاز، ولعل الله عز وجل وضع فيها سرا من أسراره الإلهية يساعدها على البقاء فيه تحت البصر وحية في أعماق البصيرة.

ومهما طال مكث الغزاة الصهاينة في ديارنا فحتما سيرحلون عنها كمثل الغزاة الذين سبقوهم، فقد دارت أكبر المعارك على أرض فلسطين، وليس بعيدا عن القدس مثل حطين وأجنادين وعين جالوت واليرموك… وغيرها، فالأيام دول، وإن كنا نعيش اليوم فترة انحسار أو جزر مرحلي فإن المد والجزر في التاريخ وبين الأمم هما اشياء متعاقبة غير ثابتة.

أما العجز الذي يعتري أمتنا اليوم فليس قدرا أبديا محتوما علينا فالأمر الذي لا نستطيع إنجازه اليوم سنحققه غدا إن شاء الله، وذلك مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. ( وأوصانا ألا نيأس أو نحزن على ما أصابنا (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

وقرن سبحانه نصره لنا بنصرنا له وانقيادنا لمشيئته وطاعته (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). ووعدنا بالنصر (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا).

فالمطلوب منا أن نعمل بأقصى طاقاتنا لإبقاء القدس حية في ضمائرنا نابضة في قلوبنا، نقرأ تاريخها، ونتعرف على قسمات وجهها، ونتابع أخبارها وأحداثها، ونغرس هذه المعرفة الحميمية في أوردة وشرايين أولادنا وذرارينا وأجيالنا القادمة، فمن يعرف القدس يحبها ويضحي من أجلها، والتضحية هي مفتاح النصر في الدنيا ومفتاح الظفر في الآخرة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. ويقيناً أنه مهما ادلهمت الخطوب، وعبست الأيام، فلن يتسرب اليأس إلى قلوبنا ولن نقول للقدس إلا: مهلا يا أنشودة الحياة وصبرا جميلا يا أم الأنبياء والشهداء، ولن نقول للقدس وداعا بل لقاء مرتقبا، ونصرا مؤكدا إن شاء الله

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق