تحليل سياسي

غزة.. أفق القفل المكسور مفتاحه

“خمسة بلدي” تلك العبارة الشهيرة التي قالها أحد قادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة قبيل انتخاب حركة حماس لتكون ممثلا للشعب الفلسطيني في المجلس التشريعي وتشكيل حكومة تدير أمور الناس، هناك بدأت الملامح تكتمل فبعد بدء تفعيل القفل على الضفة وغزة لخنق الرئيس الشهيد الراحل ياسر عرفات باتت أطراف “الطبخة” الدولية تسرع في إجراء الانتخابات في الساحة الفلسطينية واستحداث المناصب وغيرها لتمرير مخطط جديد يمحو الخط العرفاتي في التعامل في ملف القضية الفلسطينية، فجاءت الرياح بما لا تشتهيه سفن الإذلال لتتوج حماس وليبدأ الحصار بكل الأشكال التي لم تبدأ بقطع الرواتب ولا بوقف المشاريع ولم تنته بالحملة الأمنية والعسكرية وغيرها؛ والهدف واضح.. إسقاط صوت الشعب وإرادته.
 
فكان الانقسام وباتت غزة في جهة والضفة في جهة أخرى؛ فوقعت الضفة في شراك الاقتصاد الوهمي والأمن المزيف والشهداء توالى سقوطهم والمجتمع تكالبت عليه كل الشرائح السيئة وامتد الاستيطان وأهدى ترامب القدس للاحتلال وصوّر لنا على أنها عاصمة الحرية فأُحرق طفلٌ وعائلة وقُتلت أم وأُتلف زرع وهُدم مسجد ومُنع شجر من القطاف، وهذا كله يروج على أن الضفة ليست تحت حصار وإنما فيها التمكين للفلسطينيين.
 
هناك في غزة استمرت لعبة “خمسة بلدي” فتارة حرب إسرائيلية وأخرى هجمة إعلامية وثالثة تشكيل مجموعات تحت اسم الدين والتشدد مخابراتية لقتل الناس وإثارة الفوضى ورابعة حصار وإغلاق للمعابر والمياه وخامسة منع السفر والعلاج وسادسة قطع الكهرباء والمحروقات وسابعة حجب كل التقنيات والتطور عن الوصول لغزة وغيرها من أبشع صور الحصار التي يراد فيها أن تركع غزة وتنتهي لعبة “الخمسة بلدي”.
 
المفاجئ وعلى مدار سنوات القهر والحصار أثبتت المقاومة صمودا بل وعجز من صادر حقها في الضفة عن إطلاق سراح الأسرى أو حماية طفل في مركبة والده يموت برصاص مستوطن أو أم تحترق مع ولدها وزوجها في قلب قرية آمنة فيها التمكين للمستوطنين واللعنة على المقاومين.
 
فباتت غزة ضمن منظومة دولية لا يمكن تجاهل قيادتها فانقلبت “الخمسة بلدي” مع السنوات لتصبح عقد الصبر وحصاد الزرع، وبات لديها جنودا أسرى جددا وطائرات تصل صفد وصواريخ تدك “بن غوريون” و”الكنيست” وحيفا ووحدات تغوص تحت الماء المحاصر لتزرع الرعب في قلب مستوطنات ومعسكرات الاحتلال على الحدود وشبكة أنفاق تعجز جيوش عن إقامتها.
 
وتتوج كل هذا بالحشد الجماهيري الذي أربك الحسابات الدولية والإسرائيلية هناك في مسيرات فك الحصار والعودة، فكانت الماراثونات السياسية والحج الدبلوماسي نحو بقعة صغيرة طالما قال عنها الأوروبيون والأمريكان إنها بيد الإرهاب، فكسر مفتاح القفل من الذين أخذوا الأوامر بالحصار فتحولت المعادلة؛ وبعد أن كان الشرط أن توافق المقاومة على شروط الرباعية باتت الرباعية تقول للمقاومة ماذا تريدون !؟؟.
 
وأخيرا .. تجسدت المعادلة على الأرض والجماهير والآن في السياسة، فزمن الإهانة ولى والقفل على الأمل سيكسر لأن مفتاحه كسر على يد القريب بعقوبات تركيعية وعلى يد البعيد بحرب ودماء وابتزاز فلم يعد أمام أهل غزة إلا أن يجبروا من وضع القفل على كسره مجبرا متجاهلين من بيده المفتاح لأنه أصبح خلف ظهورهم.
 
ماذا بعد ؟ . .
 
في ظل التناغم الدولي للوقوف إلى جانب الاحتلال واستعداد أدواته لخوض البحر من أجل أن يبقى تحت بساطيره بات لزاما أن تكون الأمور أكثر وضوحا، فصفقة القرن لا توجد في خريطتها الضفة الغربية فهي ضمن المخطط ستكون مضمومة للاحتلال والرهان على غزة أن تقبل بالغذاء مقابل الهدوء وأن تتوسع لمصر بإرادة الدولار، وهذا انتحار سياسي وشعبي وعسكري لكل من يفكر أصلا في أن يأكل مقابل أن يسكت على حقه وفكرته الأساسية، ومحاولة تعزيز الفرقة بين الضفة وغزة يمارسها الاحتلال بإعلامه الناطق بكل الحروف لكي يستفرد بالضفة ويتم التفاهم مع غزة على جغرافيا المقاومة وتجاهل فكرتها.
 
ولذلك فالمقاومة على مفترق طرق خطير تاريخي؛ فهي أمامها خيارات صعبة للمرور من على خيط رفيع يعيد اللحمة الوطنية ويبقي سلاح العز مشرعا في وجه الاحتلال، لذلك ومع تطور الأحداث فصوت الحرب يعلو بين الفينة والأخرى وصوت التهدئة أضعف في كثير من العواصم، بينما من يصنع الخريطة الاحتلال والمقاومة، وفي ظل المعطيات فإن المواجهة حتمية لتكون جولة رابعة دامية يحاول فيها الاحتلال استخدام كرت الانبطاح العربي الراهن والاستفراد، مغذيا بنك معلوماته بأهداف معنوية يستعد لضربها ومغطيا نفسه في الأروقة الدولية وخاصة بعد خطاب السلطة على المنصة الدولية وتخليها عن القطاع.
 
من جانب آخر يراهن الشارع على المقاومة لتعيد كرّة الانتصار من جديد، غير أن كل الاحتمالات باتت مفتوحة فنحن الآن في المربع الرمادي الذي يسبق الوضوح رغم أن المعطيات تشير إلى لوحة قاتمة في الميدان ولكنها ستؤسس لمرحلة استراتيجية فيها يحسب العالم لصمود الشعب حسابا ليس كما كان سابقا في ظل تطورات إقليمية تفضح أنظمة تحارب ضد المقاومة وبات موقفها ضعيفا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق