ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

السجن منحة ومحنة

مقابلة خاصة مع المحررة علا مرشود

  • الأسيرة علا مرشود .. بطاقة تعريفية ؟

علا مرشود قبل الاعتقال كانت طالبة إعلام إذاعة وتلفزيون سنة رابعة متبقي شهرين للتخرج أو أقل، صحفية منذ اليوم الأول لدخولي كلية الإعلام .. عملت في عدة إذاعات محلية ومواقع إخبارية وصحفية حرة وتطوعت في عدة فرق تطوعية في الجامعة في مدينة نابلس أحب السفر والرحلات وخرجت في عدة تجوالات في فلسطين وأحب التعرف على فلسطين ومرتبطة في الأرض بصورة كبيرة ..

كنت مغتربة في طفولتي وعشت كامل طفولتي في الغربة وبعد التوجيهي عدت لفلسطين لأتعلم وصرت في غربة ثانية وهي غربة الأهل .. لكن حتى في غربتي كان ارتباطي وثيق في فلسطين كنا

نفعل قضية فلسطين دائما في المدرسة في السعودية  ونقوم بعدة أنشطة داعمة للقضية .

 

  • كيف كانت الساعات الأولى للاعتقال وأثناء نقلك إلى مركز التوقيف ؟

تم استدعائي لمركز ارتباط حوارة على أساس ساعة أو ساعتين ليتم إخلاء سبيلي .. لكن هناك لم يسألوني أي سؤال ولكن بدأوا بإجراءات اعتقالي  .. كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي توقف عقلي عن التفكير وبدأت بالبكاء !! جاءت المجندة وبيديها الكلبشات والعصبة ووضعتهم لي ، ومن تلك اللحظة بدأت بالبكاء ولا إراديا دموعي لم تتوقف وأخذوني للعيادة والتفتيش وهناك صار موقف صرت اصرخ انه ” تفتيش عاري لا ” .. كنت لا اعرف طريقة التفتيش ولكن كنت استبق الأحداث .. دخل شخص ضخم الجثة مخيف يلبس مدني ومسلح قال لي ” أنت عندنا ونعمل بك ما نريد ” وفي تلك اللحظة خفت .. وخرج الرجل وتم تفتيشي ولكن بشكل عادي وليس عاري والحمد لله ثم تم نقلي لمركز تحقيق بتاح تكفا .

في البواسطة لم أتوقف عن البكاء.. تلك البواسطة التي لا تتسع إلا لشخص واحد فقط بمساحة ربع متر في ربع متر معتمة جدا جدا كالقبر.. لا يوجد مساحة مع أغاني عبرية بصوت مرتفع جدا ومع صدمة الاعتقال تتسبب هذه الظروف بحالة كالانهيار العصبي ..

 

  • هل تعرضت للتحقيق وما هو التحدي الذي واجهك فيه؟

وصلت لمركز التحقيق وبدأ معي التحقيق واستمر ل 18 يوم .. و التحدي كان ان الاحتلال استعمل معي كل الأساليب اللي ممكن يستخدمها مع أي أسير فلسطيني مثل الأساليب النفسية صراخ بصوت مرتفع تهديدات مسبات عصافير وكل الطرق ..

أهم تحدي واجهني بتلك المرحلة كان عندي نوع من الخوف .. مش خوف من الاحتلال لأنهم ما رح يقدروا يعملولي شيْ .. كن خايفة من نفسي اني اثبت بالتحقيق لا اضر حالي ولا حد غيري  .. يا ترى هل رح استطيع أكمل واثبت وأكون عند حسن ظن نفسي .. والحمد لله اللي قدرني وثبتت .

 

  • ما هي أسوأ اللحظات التي واجهت علا في اعتقالها؟

أسوء اللحظات !!.. السجن كله صعب وسيء بكل لحظاته ولكن أصعبها التي تجد انك لا يوجد عندك كرامة وأريقت كرامتك كان تحتاج شيء مهم وتنذل لتحصل عليه .. عندما كل ما تحتاجه لا تستطيع توفيره فمثل هكذا وضع يجعل عند الأسير ضغط نفسي من نوع آخر ..

ومن أسوء المراحل التحقيق والمعبار وكنت اضطر للنزول من يومين إلى 5 أيام في المعبار عند ذهابي للمحكمة في سالم وظروفه سيئة جدا وهو للسجينات للمدنيات الإسرائيليات أصلا.. فالمعبار مكان قذر جدا وتعامل السجانات سيء جدا به كاميرات والخصوصية معدومة وباب الحمام نصف باب أو شفاف والأكل مقرف جدا .. وهو باعتبار انه عزل .. الأسيرة لوحدها لا يوجد معها أي أسيرة أخرى

 

  • حالة أسيرة كانت معك في السجن وتركت أثرا لديك، وبينك وبينها موقف لا ينسى ؟

لا يوجد حالة أسيرة معينة تركت أثرا معينا في نفسي .. لكن الأسيرة شاتيلا أبو عيادة من الأحكام العالية حكمها 16 عام إنسانه رائعة جدا وطيبة جدا من الحالات الوطنية النادرة في السجن  ..

كذلك الأسيرة إستبرق التميمي .. كنا زملاء قبل الاعتقال وجمعنا السجن .. شعرت إستبرق لما ذهبت عندها ببعض الراحة النفسية وشعرت بالأنس بوجودي ووجدت شخص يخفف عنها وعندما رحلت تركت فراغا كبيرا وذهب من عندها شخص كان يهون عليها .. طبعا ودّعت الأسيرات بالدموع ..

 

  • ماذا تعني لك الكلمات الآتية: عدد، بوسطه، محكمة، زيارة، إفراج ؟!
  • عدد::

العدد أسوء ما يمر مع الأسير بالسجن يتحكم الاحتلال بالأسير متى ينام متى يقوم متى يقرأ .. وكنا نرتب أنفسنا بحسب العدد ..الخصوصية معدومة والاحتلال يتحكم بكل ما نقوم به في السجن .. فالعدد إذن هو قيد آخر من قيود السجن .

  • البوسطة ::

رحلة لعذاب ، كل أسير مر بهذه المعاناة كنا لننتقل من مكان لمكان أو نذهب للمحكمة نذهب بها ، كنا قبل بيوم من المحكمة لا نتناول الطعام أو الشراب لأنها رحلة طويلة بلا حمام بلا راحة .. لوحدك كالقبر ..نقضي ما يقارب 7 ساعات أو أكثر فقط في البوسطة بظروف صعبة جدا

  • الزيارة::

يوم الزيارة كيوم الاحتفال من قبل أسبوع نجهز انسفنا ماذا نرتدي في الزيارة كيوم العيد .. حتى أن بعض الأسيرات تسجل على ورقة ماذا ستخبر أهلها .. خلال الزيارة السعادة غامرة وهي كأحد شرايين الحياة للأسير داخل السجن .. كنا نعود من الزيارات محملين بالكثير من الأخبار والكثير من الفرح ونخبر بعضنا بأخبارنا ويصبح القسم كخلية النحل والجميع يتحدث عن أخبار الزيارة بسعادة غامرة فالزيارة تعني الكثير الكثير للأسيرة .

  • الإفراج::

من أصعب المواقف وأجملها للأسيرة هو الإفراج من قبل الإفراج بأيام يبدأ الضغط النفسي هل سيفرج عني أم لا ؟ وقبل الإفراج يعمل الأسيرات حفلة وأناشيد جميلة قامت الأسيرات بتأليفها ويغنون لها ويبعثون معها السلامات للأهالي والبعض منهم يبكون  !!

حتى هناك من تزغرد ولحظة الإفراج مع كمية السعادة التي بها إلا أنها بها حزن وغصة ودموع !!

 

  • أجواء رمضان والعيد كيف مرت على علا في السجن ؟!

كنت بصدمة كيف سيأتي رمضان وأنا بعيدة عن أهلي ولكن بالعكس تعايشت معه كان رمضان بالسجن أفضل من كل الرمضانات التي بخارج السجن كنا بخلوة مع الله وبفرصة لمراجعة أنفسنا .. كنا متفرغين للعبادة وللصلاة وللقيام  ولا يوجد ملهيات عنها ..

رمضان في السجن به روحانيات غير موجودة بمكان آخر وكان من أحلى الرمضانات

كان عيد الفطر جميل وكنا نحاول نسعد أنفسنا ومن حولنا وأنا بحكمي المنخفض كنت أحاول التخفيف عن بقية الأسيرات ونخبر الأسيرات أن العيد من الشعائر يجب أن نفرح بها .. وكانت الأسيرات يتذكرون عائلاتهم لأن هذه الأجواء تحتاج العائلة !

نحاول التخفيف عن الأسيرات وبعيد الفطر قمت بتنظيم أمسية للأسيرات وعملنا صندوق مفاجآت وهدايا وأسئلة ثقافية وجلسنا بالفورة وأنشدنا معاً ووضعنا طاولة تحتوي المسليات والأطعمة الطيبة وصباح العيد معا ونفرح مع بعض ونشرب النسكافية بساحة الفورة وننشد معا ونهني بعضنا البعض ونرتدي ملابس العيد ..

بعيد الأضحى نغص المحتل علينا ومنعونا من التجمع بساحة الفورة واخبرونا إن لم ننفض سيقمعوننا .. لكن رجعنا على الغرف ونظمنا فعاليات أنا والأسيرة الشاعرة دارين طاطور أمسية مثل عيد الفطر كانت تحوي أناشيد وشعر وفعاليات والأسيرات فرحوا ! نحن كأحكام بسيطة يكون لضغط النفسي علينا أقل لذلك نحاول أن نخفف عن الأسيرات صاحبات الأحكام المرتفعة !!

 

  • لحظة فرح غمرت علا وتركت بصمة لا تنسى في ذاكرتك ؟!

كانت ثلاث الفرح بالنسبة لي ثلاث لحظات..

اللحظة الأولى لحظة انتهاء التحقيق لما اخبرني المحقق أنني أنهيت التحقيق وسأنتقل للسجن والحمد لله وكانت تعادل فرحة كأنه اخبرني بالإفراج بسبب ضغط التحقيق والإرهاق والتعب ..

اللحظة الثانية لحظة الحكم ، تفاجأت بحكم أقل مما كان مطلوباً لي والحمد لله  فقد كان مطلوبا لي حكم سنة وحكمت ب 7 شهور والحمد لله ، وشعرت بأن العد التنازلي للفرج بدأ

واللحظة الثالثة لحظة الإفراج من أجمل لحظات الحياة وهي الحرية .

  • ما هي أوضاع الأسيرات في السجون؟

لا تختلف كثيرا عن وضع الأسرى صعبة جدا معاناة شديدة من إدارة السجون بشكل خاص حيث لا يتوانون عن الضغط عن الأسيرات بكل الطرق والوسائل ..

حقوقنا لا نحصلها إلا بجهد جهيد ، كالعلاج لا نحصل عليه واغلبه المسكنات وليصل الأسير لحالة الموت ولا يحصل إلا على المسكنات .. إهمال طبي وإهمال بالحقوق..

ومن أكثر ما يؤرق الأسيرات الحالات الاجتماعية الموجودة داخل السجن وهم سجن فوق سجن وضغط كبير يعاني منه الأسيرات !!

 

  • كيف كنت تقضين وقتك في السجن؟

للأسف أن الأسيرات ليست كما الأسرى لا يوجد تنظيم فلا يوجد برنامج ينظم حياتنا في السجن فالأسيرة تنظم برنامجها الخاص وبالبداية أتقنت التجويد ومن ثم بدأت دورة لغة عبرية في اليوم ما يقارب ساعتين ولمدة شهر أعطتني إياها أسيرة من القدس

باقي الأوقات كنت اقضيها في القراءة وكنت أقرأ بنهم شديد .. ومصادر الأخبار محدودة  .. تلفاز بعدد محدد من القنوات 4 منها عبرية وتلفزيون فلسطين و بعض القنوات المحدودة .. والإذاعة والراديو كان هناك تشويش من المحتل ولا يصلنا أي إذاعة ناطقة بالعربية غير إسرائيل مكان والتي لا توصلنا أخبار تهمنا .. وبالنوادر كانت تصلنا إذاعة صوت الأسرى وعندما تصل يكون الأجواء عندنا كالعرس وأخيراً وصلنا إذاعة عربية ناطقة بلساننا ..

 

  • ماذا أضاف لك السجن معرفيا وثقافيا؟

أضاف لي الكثير.. صحيح أننا كنا نقرأ عن أدب السجون ونتابع حالتهم ولكن لم نفهم معنى الأسير ومعاناتهم إلا عندما جربناها وأضاف لي الكثير وبرأيي هذه التجربة مهمة لأي صحفي فلسطيني ليدافع عن الأسرى وعن قضيته ويكون عارف المعانة بشكل حقيقي ويوصلها للعالم

ثقافيا كان عندي الفرصة للقراءة أكثر من الخارج بعيداً عن الملهيات فكان عندي نوعا ما تفرغ للقراءة فبهذه السبع شهور أصبح عندي مخزون من القراءة وحتى الاختلاط بأناس من بيئات مختلفة وتنظيمات مختلفة ومستويات فكرية مختلفة أضفى عندي خبرة واسعة بالناس وبالحياة .

 

  • كيف ينغص الاحتلال حياة الأسيرات وكيف كنتن تواجهنه؟!

الاحتلال ينغص في كل لحظة أصلا اعتقلهم ليس ليريحهم ولكن يتعبهم وفي كل لحظة ينغص عليهم فالعدد وغيره يكفي لإرهاق الأسير فلا يستطيع الأسير فعل أي شيء بدون التزامه بهذه الأمور عدا عن التفتيش المفاجئ في منتصف الليل .. بالإضافة للاحتياجات التي لا نحصلها إلا بشق الأنفس كالكتب والكنتينا وابسط لحقوق حتى حق الأسيرات في التصوير وطالبت به الأسيرات فترة طويلة ليحصلن عليه .. في ابسط الأمور هناك تنغيص وكل شيء ممنوع وكل شيء بصعوبة !!

 

  • الرسالة التي تحملينها من الأسيرات للناس؟

رسالة الأسيرات واحدة يحتاجون حرية ولن تأتي بدن مصالحة ويدعون الفصائل والمسؤولين للوحدة والمصالحة ليعملوا بيد واحدة من اجل حرية الأسيرات

كذلك اهتموا فيهم لأن هناك أسيرات مهملات وهناك تهميش وانتقائية في الاهتمام في الأسيرات .. فقبل الحرية يحتاجون الاهتمام وتفعيل قضيتهم .

الحاضنة الشعبية مهمة جدا للأسير فتعطيه الدعم النفسي والطاقة ليكمل في السجن وكذلك لدعم لأهل الأسير لا يقل عن أهمية دعمهم للأسير بذاته..

 

  • لو أردنا أن تلخصي تجربتك فماذا تقولين؟

السجن مدرسة في كل لحظة من لحظات الاعتقال وفي كل يوم تعلمت شيء جديد وكما كانت محنة فهي منحة وهناك اشياء لم استطيع فهم معناها إلا بالسجن ..

بالنسبة لي السجن كانت فرصة صحيح أنها أصعب تجربة مرت علي ولكنها فرصة تعلمت منها الكثير وأثرها سيؤثر علي بشكل كبير على حياتي وكان لها اثر حتى على خياراتي الخاصة وأعطاني فرصة أفكر بنفسي أكثر بعيدا عن أي مؤثرات خارجية ..

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.