ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عندما طلبت مني طفلتي ” عشرين دقيقة”

كنت قد أنهيت قبل وقت قصير، دورة في التربية من اختصاصي أثق في علمه كثيرا، وقد كنت ألخص المواد التي أتلقاها وأطبقها أولا بأول مع أطفالي. فأقيم نفسي، أفحص نقاط الضعف والقوة في عملية تربيتي لأطفالي.

كان من بين أهم ما اكتسبته من هذه الدورة أنني سألتزم بجلسة حوارية مع أطفالي لمدة عشرين دقيقة يوميا، خالية من النصح والإرشاد، مليئة بالحوار من صديق إلى صديق. بشرط أن تكون الجلسة لكل واحد على حدة.

مع صعوبة تطبيق التزام كهذا في أيامنا الضيقة جدا، استطعت الى حد ما أن أطبقه، ولكن ليس بشكل يومي. تفاجأت يوما حين عادت صغيرتي من المدرسة وأمسكت بيدي قائلة ” الان وقت العشرين دقيقة”!

كانت هذه الخطوة من ابنتي مفاجأة جدا بالنسبة لي، خاصة أنها أثناء الجلسة الحوارية كانت تبدي رغبة في المزاح والضحك وعدم أخذ الجلسة بجدية. لكنني اليوم تأكدت أن مثل هذه الجلسة أصبحت في ترتيب يوم طفلتي الصغيرة، بل أنها أصبحت مطلبا أساسيا قبل الطعام واللعب.

أدركت منذ تلك اللحظة بأنني أدخلت من خلال التزامي بالبرنامج التربوي الذي اكتسبته عادة ستجعل من علاقتي بأطفالي علاقة استثنائية، ليست كأي علاقة أم بأطفالها. لكنني تساءلت، ما هو السبب الذي جعل أطفالي يحبون ويتمسكون بهذه العشرين دقيقة ويصرون على استقطاع وقت من لعبهم وتخصيصه لها.

وجدت أن الحوار المليء بالنصح والإرشاد مني كبالغ وإليهم كأطفال، هو أسوأ طريقة تربوية في نقل القيم والإرشادات التي أود نقلها إليهم. وأن بناء علاقة بين الأطفال والأهل أهم بكثير من الالتزام بقوانين بيتية بالية تصنع من البيت ثكنة عسكرية ومن الأطفال مجرد متلقين لا يكون لصوتهم أي وزن.

وجدت أن حواري مع أطفالي كصديقة لهم،  فتح لي أبواب قلوبهم، وفتح أسرارهم، ومخاوفهم، أمامي كصفحات الكتاب المفتوح. وسهل علي إعطائهم النصح في وقته المناسب، وتقبلهم لكلامي ونصائحي.

 

إن الحوار الخالي من النصح والإرشاد هو الحوار البناء، الذي يبني علاقة قوية بين الأهل والطفل، وكلما كانت العلاقة أقوى كلما أثر ذلك على شخصية الطفل وتحصيله، وعلاقته بنفسه وبمن حوله، وأثر ذلك على المدى البعيد. بل إنه أيضا يرسم خارطة حياته كلها، ويحدد اختياراته وميوله في الحياة، ويكشف له شخصيته، ومواطن القوة الكامنة فيها.

حاوروهم عن أي موضوع يخطر ببالكم خذوا كل كلمة يقولونها على محمل الجد، فالطفل الذي تحاورونه الان، سيحفظ لكم هذا الجميل، وحتما سيعود خيره عليكم أضعافا مضاعفة. لا تستهينوا بأطفالكم فلهم قدرة خارقة على فهمكم والتواصل معكم، كل ما عليكم فعله كأهل هو فتح باب الحوار وإعطائهم الجو المناسب لذلك وهم بدورهم سيبدعون.

والجو المناسب للحوار مهم أيضا فإشعار الطفل بأنكم تصغون له يشعره بالأمان والسعادة فيبدع بالتعبير عن نفسه، فمن الممكن تخصيص وقت يصبح كميعاد ينتظره الطفل بفارغ الصبر، وتخصيص مكان مريح وهادئ للجلوس يحبه الطفل ويرتاح فيه.

بحسب مقال لأخصائي تربية الأطفال الدكتور رون تافل نشره في موقع تايم حول ” سبعة نصائح لحوار فعال بينكم وبين أطفالكم” يقول فيه:

  1. لا تستهينوا بالحوار الذي يدور بينكم وبين أطفالكم أثناء القيام بمهام مختلفة: على سبيل المثال يعتقد الكثير من الأهل أن الحوار يجب أن يكون بتواصل عميق ومركز وأن يكون لأجل الحوار فقط، ولكن تافل يعتقد، الأطفال يفتحون قلوبهم بشكل أفضل أثناء القيام بأمور معينة أو أثناء انشغالكم بأمور كقيادة السيارة أو عمل البيت. بعض الأطفال يحبذون الحديث أثناء الاستحمام أو قبل النوم فخذوا هذه الرغبة على محمل الجد وحاوروهم متى ما رغبوا في ذلك.
  2. حاولوا خلق “طقوس” للحوار: الأطفال مختلفون في عاداتهم وشخصياتهم، وعلينا احترام هذا الاختلاف. راقبوا أطفالكم جيدا وحددوا الأوقات التي يكونون فيها بقمة نشاطهم وحماسهم للحديث. هناك أطفال يحبون الحديث أثناء انتظارهم لباص المدرسة وهناك أطفال ينزعجون كثيرا من الحديث عند الاستيقاظ من النوم مثلا. احترموا عاداتهم ولا تحاولوا تغييرها بإجبارهم على تحديد وقت خاص بكم للحوار، “ارصدوا” الأوقات التي تشعرون بأن أطفالكم يتوقون فيها للحديث.
  3. كونوا حقيقيين: كونوا على طبيعتكم قدر المستطاع، لا تبالغوا في إبداء المشاعر ولا في إطلاق الأحكام والحلول، فأنتم لستم معالجين. التعبير بقوة عن المشاعر والاحتضان والكلام المليء بالحب هي أساليب مثالية للأطفال الصغار جدا ولتهدئة الأطفال الخائفين، لكن استعمال هذه الأساليب في الحياة اليومية في غير وقتها قد يأتي بنتيجة عكسية ويفقدكم مصداقيتكم أمام أطفالكم. تواصلوا معهم مثلا أثناء اللعب وأثنوا بشكل مقبول على تصرفهم كأن تقولوا ” أحببت كثيرا كيف قمت بإعطاء صديقك اللعبة، أنت حقا رائع”.
  4. شجعوا أطفالكم على تنمية التعبير العاطفي: علموهم أن، يعبروا عن مشاعرهم وأن يقوموا بسرد قصتهم من البداية إلى النهاية. فذلك يساعدكم على فهمهم بطريقة أفضل، وبالتالي مساعدتهم في إيجاد حلول لأنفسهم. إن مهارتهم في إيصال المشاعر، تحدد قوة وتأثير رسالتهم التي يريدون إيصالها. أعطوهم الوقت للتعبير، لا تضعوهم تحت الضغط، ساعدوهم على الالتزام بوقت معين للتعبير عن طريق طرح أسئلة صغيرة عليهم، تساعدهم في الوصول إلى النقطة التي يريدونها مثل: ” من كان هناك؟ ماذا يريد؟ ماذا حدث بعد ذلك؟” من شأن أسئلة صغيرة كهذه أن تجعل طفلكم يشعر أنه مركز اهتمامكم، وأنكم لا تنشغلون بشيء اخر عنه مما يعطيه سعادة لا توصف.
  5. تحدثوا عن الأمور التافهة: يخاف الأطفال كثيرا حين يتم توجيه سؤال عميق إليهم. مثل: كيف جعلك ذلك الأمر تشعر؟ابدأوا معهم الحديث حول أبسط الأمور، وذلك سيقودكم الى الحديث عن الأمور الأعمق. إن الأمور التي تبدو لنا بسيطة هي في الواقع عالم بالنسبة لأطفالنا، لذلك خذوها بقدر من المسؤولية.
  6. تحدثوا عن أنفسكم إذا أردتم أن يتحدث أطفالكم عن أنفسهم: ابدأوا حديثكم على العشاء مثلا بسرد تفاصيل يومكم بالتفصيل: ” التقيت اليوم المديرة الجديدة شعرت بأنها ممتازة ولكنني تفاجأت أنها من بلدة بعيدة” أضمن لكم أن أطفالكم لن يدعوكم تكملوا القصة حتى النهاية. سيقاطعونكم ليقولوا مثلا” تشاجرت اليوم مع ابن صفي في الصالة الرياضية للمدرسة…”

لا توجهوا أسئلة على غرار “ماذا فعلت اليوم في المدرسة؟” فهذا يشعر الطفل بأنه يجب أن يعطيكم سردا لتقيموه.

  1. تدربوا على كيفية توجيه النصائح لأطفالكم: بعد انتهاء الحوار وسماع ما أراد الطفل قوله. ناقشوا معه كيف كنتم ستتصرفون لو كنتم في مثل وضعه. ولكن ابدأوا حديثكم بإشعاره بأن له كيانا مختلفا عنكم. مثلا: ” أعرف أن تجربتي في الحياة مختلفة عن تجربتك جدا ولكن، لو كنت مكانك…”.

إن النصيحة الفعالة هي ببساطة، أن يعطي الأهل للطفل أدوات ومهارات تساعده في حل مشاكله لوحده بدون الحاجة في كل مرة للتوجه إليهم.

 

إن اتباع واحدة من هذه النصائح كفيل بأن يحدث تغييرا ملموسا في مستوى وعمق حواركم مع أطفالكم، حاولوا تطبيق واحدة ثم انتقلوا إلى الأخرى لتترسخ كعادات حوارية في داخل البيت. فالحوار صلة لا تنقطع أبدا بينكم وبين أطفالكم. وهو نبع لا ينضب سيروي أطفالكم طيلة حياتهم وسيؤثر على سير حياتهم وحياة أطفالهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.