ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أسبوع وكأنه سنة

( المحررة بديعة بريجية تروي بعضا من ظروف اعتقالها )

في وقت متأخر من الليل تجهزت للذهاب إلى المحكمة إلى عذاب البوسطة والسلاسل الحديدية هممت بلبس الحجاب فإذا بالأخوات الأسيرات يقلن لي بأن الدبابيس ممنوعة!! ماذا؟!! كيف سأخرج ؟! جزاهن الله خيرا قمن بخياطة الحجاب وأصبح في وضع لا بأس أفضل من لا شيء (ماشي حاله)، لسان الحال يقول لماذا يمنع الدبوس من حقي أن اربط به حجابي انه حق لي، فاليدين والقدمين مكبلتين كيف لدبوس أن يسبب أذى؟! إنها فقط وسيلة إذلال للأسيرة ومساس بدينها وحرمانها من أبسط حقوقها وهو دبوس صغير يشد الحجاب!!

أين من ينادون بالحريات ؟! ألا يكفي أن أختكم خلف قضبان الظلم ؟! هل عجزتم عن السماح باستخدام دبوس واحد عند حضور الأسيرة محكمتها ؟! أم أنكم من أصحاب قول: عادي بلزمش لفي الحجاب بدون ..

ألا تعلمون أن من فَرَّطَ بالقليل سهل عليه التفريط بالكثير؟! لما التنازل! بعد ذلك إلى تفتيش مذل عند السجانات اللواتي يدرن القسم ويسألنني أين أخفيت الرسائل أين تضعينها؟! تبسمت وقلت إن الرسائل حفظتها بذاكرتي إن استطعتي أخرجيها؟!! ومن أمام البوسطة ثم إلى تفتيش ثاني من سجانات أخريات يسألن نفس السؤال فش رسائل؟!

وكأنه تحقيق جديد وعندما تخبرهن بأنك مكبل اليدين وفتشت الآن يبدأن بالصراخ باني سأفتش من جديد، قبل الصعود إلى البوسطة الحديدية.

ومن أصعب الأمور التي تواجهها الأسيرة هو ذهبها لما يسمى طبيباً بعد عودتها من المحكمة في أول ليلة لها بالسجن يجب أن تمر للطبيب المعالج فالوقت متأخر وجلسة البوسطة شديدة الألم تخشب منها الجسم فتقف على القدمين أكثر من نصف ساعة تنتظر هي والسجانين الغير مبالين بطول فتحه للباب، وهيهات بأن يرق قلب الطبيب ويفتح، وبعد أن يفتح يسأل ويكتب مما تشكو؟! وتعال غدا أو في وقت لاحق.

إننا نشكو وجودنا هنا هل من علاج؟!

في وقت لاحق جئت للطبيبة ولم تكلف نفسها بأن تنظر إلي أو تسألني مما أشكو!! أمامها جهاز حاسوب وتنظر إليه وتتظاهر بالانشغال والعمل، صدقا كنت متعبة من تقلبات المكيف الذي يرفعونه لدرجة البرودة وتارة يغلقونه وكأنك في فرن بدرجة عالية، فكيف سيكون الحال؟!

بدأت بسرد ما أعانيه من ألم، وأريد علاج!! قدمت لي حبة دائرية صفراء مسكن، ووضعتها ع الطاولة من غير أن تنظر إلي وقال الضابط اشربي سوائل ساخنة هيا لنعد للسجن، أخذت الحبة ومضيت باستغراب!! وقلت أعان الله كل مريض في هذه السجون المظلمة، كيف سيكون الحال به ؟!،

ما أقساهم لايعرفون مريض ولا غيره؟! إنهم إن عرفوا مما تعاني تفننوا في زيادة الألم.

في يوم من أيام رمضان المباركة بينما نجلس للإفطار بينما أسيرة من الأسيرات الماجدات ترقد على فراشها بصمت قاهر تشد فمها من صعوبة الم الأسنان الموجع، قلت لها ما علاجك؟ فقط إن شكت لهم يحضروا لها الكبسولة المسكنة، وهيهات أن تسكن الم الأسنان، فكان الوضع جدا صعب لا نملك أن قدم لها شيئا سوى الدعاء فوجع الأسنان لا يعرفه إلا من جربه.

هذه أيام فكيف بمن مكث سنين واعتاد الجلوس؟!! يا الله صبرا يا االله عجل بالنصر والفرج القريب من أين تتلقى الأسيرة الظلم من السجن وإدارته أم من السجان وحدته ؟! أم من البوسطة وعذابها؟! أم من المحكمة وظلمها؟!

أغلقت أبواب الظلم على الأسيرة ذات الجسد الرقيق الذي لا يليق به إلا أن ينعم ويكرم، أغلقت وأقفلت السجانة الباب بإحكام في غرفة صغيرة جدا كانت حماما ومطبخا ومناما ومكتبة، أغلقت الأبواب وما علمت السجانة أنها لم تغلق باب الواحد القهار!! باب ذو الجلال والإكرام، باب الودود الجبار الذي به زدنا عزيمة وإصرار.

 

بينما كانت محكمتي الخميس في محكمة القدس(المسكوبية) اقتادوني قبل المحكمة وبعدها إلى زنزانة المسكوبية ..زنزانة مهما قلت لكم لن اصف لكم بشاعة الزنزانة وظلمتها ..فكت السلاسل المشدودة في يداي وأرجلي التي نزفت من قسوة السجانة في شدها للسلاسل..وعدم رحمتها.. نظرت نظرة دقائق معدودة فإذا ب: زنزانة بها كميرا كبيرة أسفلها مرحاض وكأنه سنوات لم ينظف، سلة نفايات كبيرة تفيض منها النفايات وقطع من الخبز المحشو وزجاج العصير المتعفن و أكل داخل السلة لم أطق رائحته، وكأنها أشهر أو أكثر لم تفرغ مما فيها ..

حمدت الله أني صائمة ..فالرائحة جدا قوية فبدأت بالسعال الذي شدني لقوة الرائحة السيئة، نظرت إلى الأرضية نجاسات تناثرت بها.. نظرت إلى الحائط وإذا بالزواحف من صراصير صغير وكبير، وذباب وبعوض ونمل كنت أستغرب منه وهو يجمع قوت يومه وكأنه اعتاد قذارة المكان ..

نظرت جانبا فإذا بحافة من الاسمنت بشكل طولي رفيعة مسحتها بيدي نظرت إلى ساعة يدي التي رافقتني في محنتي فوقت الظهر قد حل وأول ما هممت به صليت فوق هذه الحافة الإسمنتية وقلت ليغفر الله لي فلا يوجد شباك انظر إلى الشمس وميلانها ولا أجد من يقول لي هنا اتجاه القبلة فوقفت على الحافة المرتفعة عن الأرض وهممت بالصلاة، واكتفيت بطهارة المكان فكانت الصلاة سقائي والقرآن زادي .. قرابة الخمس ساعات وأنا في هذه الزنزانة التي أشبه بالفرن في حر الصيف وصوت المكيف يجعجع يشق الرأس ولا تجد منه نسيما،

يارب لك الحمد يارب نصرك الذي وعدت.. قلت في نفسي فتاة في العشرينات ربما تتحمل صلابة الحافة الإسمنتية وظلمة الزنزانة بفقدانها أبسط شيء وهو النظافة والهواء النقي ..

أضاءها الأسرى المجاهدون بالقرآن، بلؤلؤ دموعهم من خشية الله وبالتقرب إليه ..لكن ماذا عن النساء الكبار ماذا عن أمهات الاطفال..كيف ستجلس هنا؟!!

كيف سيجلس الشيخ في مثل هذا المكان؟!!

خمس ساعات شعرت بأنه انشق ظهري نصفين وتصلبت أطرافي وأصبحت لا أقوى على إسناد ظهري، نظرت لانتشار الحشرات وحاولت إبعادها، لكن لكثرتها تركتها حولي وأنا قد أمنتها على نفسي فغافلتني ولسعت يدي ..

فكانت ساعات قاسية والحمد لله مضت بمراراتها بشق الأنفس وإذا بالسجان ينادي فحمدت الله بأني سأخرج من هذا المكان القذر، وبدأ العذاب الثاني عذاب السلاسل الحديدية وشدها على اليدين والأرجل، قلت لنفسي صبرا فهذا اخف ألما من الذي سنذهب إليه!!

سنذهب إلى البوسطة الحديدية!!

بوسطة لا يحسن وصفها إلا من جرب ركوبها وهو مكبل اليدين والقدمين، منذ ساعات من منتصف الليل وقبل الفجر حتى وقت متأخر من يوم شاق، ولا يوجد أسير وأسيرة إلا وذاق مرارة البوسطة التي أشبه بصندوق، المكيف فيها عكس ما تريد..في الصيف حار وفي الشتاء بارد أي جبروت هذا؟!!

أحيانا صوت من غير أي خدمة للتكييف او التبريد، ألا يكفينا صوته الصاخب؟! وصلابة المقعد وبرودته؟! ألا يكفينا صوت محرك البوسطة ودفاشة سائقها ودخان سجانيها (النحشون)؟!

لحظة..انه شبك إن صح تسميته 15سم أو أقل في 10سم لا أستطيع تقدير ذلك، لكنه به ثقوب عدة ربما واحد(1سم) حجم الثقب يا االله انه لون السماء، اليدين والقدمين مكبلين لابد من مجاهدة النفس لأرى ما لم أراه في حياتي كلها .. سألت بحسرة وحرقة بلادنا الجميلة كيف فرط بك المفرطون؟! سبحان الخالق العظيم أبدع في خلقه كيف نحرم من هذا الجمال؟! رجع لسان الحال يقول اللهم قوة، اللهم حكمك لا حكمهم، اللهم اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، اللهم كما ألنت الحديد ألنهم واكفني شرهم بما شئت يا رب يا ااالله .. … ..

في هذه الأيام القلائل كان في عتمة ذلك السجن جانبا مشرق مضيء، كانت ثقافة الأسيرة الجريحة مرح بكير تدهشني، فطلبت منها أن تعلمني الخط الأندلسي فبدأنا بكتابة شكل الحروف وتجميعها، وطلبت منها أن تعلمني اللغة العبرية فبدأنا بكتابة الأحرف(أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت)، فكنت أتعجب من الإبداع ومن قوة الإرادة وتحدي السجان رغم كل المضايقات التي تتلقاها الأسيرة وتأخر السجان المتعمد في إدخال الكتب لم يمنعهن من الإبداع والثقافة وفن الطبخ وإعداد الحلويات ولا أنسى طعم الكنافة الذي أعدتها الأسيرة مرح عندما كنت بينهن، فكانت كنافة طعمها حلو لذيذ ينسيك مرارة السجن وظلمته لحظات، تضحك لجمال المنظر وتبهرك طريقة الإعداد المبتكرة ..تشعر بعدها بأنه سيكون قريبا نور فجر يتسامى.. صبرا فان الصبر للأحرار زاد ..ولو زاد البلاء بهم لزاد أيعجز من يرى للصبر بابا .. إلى الفردوس يوصل من أرادوا …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.