ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

البعد الجمالي للملمح الأدائي النبر في قصيدة عابرون في كلام عابر -لمحمود درويش

الملخص :

الكلمات المفتاحية: الشعر –  الصوت – دلالة – جمالية –  النبر-لسانيات.

بسم الله الرحمن الرحيم

توقف هذا البحث عند الدراسات الصوتية في هذا العصر والتي شهدت تقدما ملحوظا،ومع بزوغ فجر اللسانيات هيمنت على الفكر اللغوي المعاصر بوصفها الحجر الأساس الذّي تنبني عليه أي دراسة علمية،ولطالما كان الشعر فنا من الفنون الجميلة،وذلك لما فيه من جمال وجرس الألفاظ وانسجام  في توالي المقاطع.

وكل هذا ما نسميه بموسيقى الشعر،إذ تناولت بالبحث عن الجمالية والدلالة التي يحملها هذّا الملمح الأدائي في قصيدة محمود درويش،متبعة في هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي التجريبي،إذ توقفت عند تموقع النبر في القصيدة واستجليت دلالته،كما حاولت دراسة بعض أشكال المقاطع الصوتية المنبورة وذلك باستخدام برنامجpraatللتحليل الموجي الرقمي،للوصول الى النتائج مضبوطة نوعا ما.

 

مقدمة

سبحان من خصّ الإنسان بالنطق المبين، فسما به فوق المخلوقات الأخر، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالعربية أمّا بعد:

فما هو ثابت في الطبيعة الإنسانية ميلها الفطري للانفعال بالمؤثّرات الإيقاعية الكامنة في البيئة والمجتمع، وكلّما نظرنا من حولنا قفزت إلى وعينا الأدبي الفنّي آيات للجمال وآثار للحسن والبهاء متشكّلة ومترتبة تشكيلا طبيعيا،فتنساب الكلمات الرنّانة من لدن من يعشق هذا الجمال لتومئ بتأثّره بما حوله وملاذه ليعبّر عن تلك اللّمسات الأخّاذة بهذه اللغة.هذا السّديم الذي كلّما تفنّن المبدع في توظيفه كان لائطا بالقلوب والأسماع ولعلّ الشعر هو الحضن الدافئ الذي ترعرعت فيه هذه اللغة بكلّ عناصرها التناغمية،فهي تشكّله وتتشكّل من خلاله،بوصفه كائنا حيا يستقي من البيئات الثقافية رحيقها، فلا القديم من الشعر يطويه البلى،ولا الجديد منه يمحوه الرّدى،لأنّه خطاب الروح وحديث النّفس،ونبض الفكر وصفاء اللغة. وتكتمل معالم الحركة الإيقاعية وتكون أكثر اتّضاحا وبروزا في الشعر الذي لا تتحدّد ماهيته إلاّ من خلال الإيقاع،ولذلك فإنّ علاقته به عضوية مصيرية غير قابلة للفصل مطلقا،بل هي علاقة تماه وهويّة،وهو ما جعل العرب إلى عصور متأخرة يعرفون الشعر بالكلام الموزون المقفى.

وإذا كان أي عمل أدبي ينطلق من الصوت ليصل إلى الإيقاع فأين يمكنهما الالتقاء إذا؟ وكيف تتجلّى الجماليات لنسيج  التّشكّلات الصوتية المنبورة؟ وللإجابة على هذه الإشكالية نبعت فكرة البحث الرامية إلى الكشف عن بعض ملامح هذه البؤرة الغامضة المراوغة دائما بين الخفاء والتجلي،وانتقيت قصيدة محمود درويش “عابرون في كلام عابر”لتكون مسرحا للتطبيق نظرا لما أصبح يتمتع به هذا العصر،فضلا على أنه شاعر اختزل اسم وطنه في اسمه، إذ مهما خاض الكلمة بعيدا عن الوطن يبقى في شعره أكثر اختصاصا بفلسطين،وفي شعره تكتمل الخصائص الإيقاعية،ويبرز نضج فنّي لا نظير له،ويضاف إلى هذه الأسباب الموضوعية التي دفعتني نحو مقاربة شعر محمود درويش،أسباب ذاتية تختزل في تعلّقي بالشعر وإعجابني الشّديد بالكتابة الدرويشية ،وحب لهذا الشاعر الذّي بفضله تعاطفت مع القضية الفلسطينية التي  عبّر فيها الشاعر عن  محنة أفرزت غيوما من الأسى والحزن،والذي ألقى بظلاله على كلّ جميل،ولعلّه ليس أصدق قولا من شاعر ولد وترعرع في هذا الوطن وعايش مرحلة التحولات بكلّ آمالها وآلامها،وقد كان الشاعر دوما الشاهد على الزمن،وكانت الكلمة ولا تزال تفعل في النفس،فعل الجرح في الجسد،ولا أصدق على ذلك من قصيدة عابرون.

ونظرا لأهمية الدراسات اللغوية عامة،والصوتية خاصة،تولّدت في نفسي الرغبة في خوض غمار هذا البحث الموسوم بعنوان “البعد الجمالي للنبر في قصيدة عابرون في كلام عابر حاولت  أن أجلي بقصد وعلى بيّنة ذلك التّلاحم العلمي بين الصوت والجمال والذي يعدّ من دلائل النضج الفنّي.

كما تعدّ الأصوات اللبنة الأولى التي تشكل اللغة أو المادة الخام التي تنبني منها الكلمات لكن هذه الأصوات لوحدها قاصرة على تحديد المعنى إذ هناك مقاطع فوق تركيبية تكشف عن ظلال المعنى  وتسهم في إبراز الدلالة على أتم وجوهها كالنبر  والتنغيم  والوقف….

ودراستي تمركزت حول النبر  لأنّك عندما تستمع إلى كلمة أو قطعة من الكلام  في أداء جيد،فإنّك تحسّ أن بعض أجزائها أوضح من غيرها بل وتلفت انتباهك فستدرك بحسّك اللغوي أن هناك فرق في صورة إبراز جزء عن آخر وتلفي نفسك أمام ظاهرة لغوية  تتمثل في إبراز جزء من المنطوق بوسيلة ما،يضعها المتكلم ويحسّها السامع وهذا ما أطلق  عليه العلماء عدّة تسميات(النبر،الارتكاز،التطريح،البروز،الجهارة والضغط) ولكن المصطلح الأول النبر أكثرها شيوعا وأعمها استعمالا.

وإذا ما ألقينا بنظرة خاطفة على التراث فسنجد النبر في:

أ-مفهومه اللغوي: يدلّ على ارتفاع الصوت يقال: نبر الرجل نبرة  إذا تكلّم بكلمة فيها علوّ ونبرة المغني، رفع صوته عن خفض،والمنبر: مرقاة الخاطب  سمي بذلك لارتفاعه وعلوّه والنبر : مصدر نبر الحرف ينبره نبرا، همزه والنبر بالكلام الهمز والهمز يمثّل الغمز والضغط ومنه الهمز في الكلام،أي الضغط عليه وقد همزت الحرف فانهمز.[1]

ويقول سبويه عن الهمزة إنّها ” نبرة من الصدر تخرج باجتهاد”.[2]

من مجمل ما سلف يتبيّن أنّ النبر قد استقرّ في أذهان القدامى على أنّه الهمز،إذ جاء في لسان العرب أنّه ” قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:يا نبي الله فقال: لا تنبر باسمي أي لا تهمز وفي رواية  قال “إنّا معشر قريش لا ننبر والمنبور المهموز والنبرة الهمزة[3] فالنبر كواقعة اصطلاحية وجد وعرف عند القدامى، إلاّ أنّه ينحصر في معنى الهمز وهذا ما ينتفي وحقيقته المتداولة بين دارسي الصوتيات. وذهب بعض الباحثين كالدكتور عبد الصبور شاهين  مثلا إلى أنّ المحدثين لم يزيدوا على القدامى في تصور فكرة النبر أكثر من تنظيمه، وتخصيصه بالمقطع: لأنّه كان يعني عند القدامى ارتفاع الصوت وعلوه ولذلك سمي المنبر منبرا.

أمّا دلالة النبر عند علماء العربية المحدثين “فنشاط ذاتي للمتكلم، ينتج عنه نوع من البروز لأحد الأصوات أو المقاطع، بالنسبة لما يحيط به، والأثر السمعي المرتبط به هو العلو”[4]. فهو ناتج عن الضغط على مقطع معين ليصبح أوضح في النطق من غيره لدى السمع، والضغط لايسمّى نبرا ولكنّه يعتبر أهمّ عامل من عوامله بالإضافة إلى الكمّية والنغمة فعند النطق بمقطع منبور نستشعر جهدا زائدا في جميع أعضاء النطق بأسرها من الرئتين،والوترين،والحلق،واللسان،والشفتين،ويترتب عن هذا الجهد أن يصبح الصوت عاليا وواضحا في السمع.[5]

وقد ظلّ النبر في اللغة العربية محلّ أخد وردّ بين اللغويين فذهب بعضهم إلى أنّ دراسته في الفصحى تتطلب شيء من المجازفة،ذلك لأنّ العربية الفصحى لم تعرف هذه الدراسة في قديمها ولم يسجل لنا العلماء شيء عنه. ويذهب إبراهيم أنيس إلى أبعد من هذا ويرى أنّه ليس للنبر أثر تمييزي في اللغة العربية، ولذا سكت النّحاة العرب عنه وليس لدينا من دليل يهدينا لموضوع النبر في لغتنا كما نطق بها في العصور الغابرة .[6]

والنبر في العربية يختلف من موضع  لآخر حسب الموقف النفسي للناطق وانفعالاته المتوافقة مع حالته الشعورية ، والنفسية والدّلالية التي يرمي إليها، إذ تتمحور أهمية النبر في تأكيد معنى الكلمة أو الجملة التي يبغي الباثّ البوح بها ولفت الانتباه إليها كما يلعب النبر دورا في خلق الحيوية الإيقاعية في القصيدة جرّاء الخفوت والظهور الذي يمارسه على ملفوظه،ممّا ينجرّ عنه تماثل صوتي يضفي على القصيدة رونقا وجمالا.

قوانين النبر المقطعي عند إبراهيم أنيس:

يقول كارل بروكلمان بأنّ “في اللغة العربية القديمة يدخل نوع من النبر، تغلب عليه الموسيقى ويتوقف على كمية المقطع، فإنّه يسير من مؤخرة الكلام نحو مقدمتها، حتى يقابل مقطعا طويلا فيقف عنده فإذالم يكن في الكلمة مقطع طويل، فإنّ النبر يقع على المقطع الأول منها.” [7]

أمّا الدكتور إبراهيم أنيس؛ فإنّه يؤكّد أنّ للغة العربية، كما ينطق بها قرّاء القرآن الكريم قانونا في النبر، يخضع له ولا تكاد تشدّ عنه ويقدّم هذا القانون بقوله،” ينظر إلى المقطع الأخير، فإن كان من النوعين الرابع والخامس، كان هو موضع النبر، وإلاّ نظر إلى المقطع قبل الأخير، فإن كان من النوع الثاني أو الثالث حكمنا بأنّه موضع النبر وأمّا إذا كان من النوع الأوّل نظرنا إلى ما قبله، فإن كان مثله أي من النوع الأوّل أيضا كان النبر على هذا المقطع الثالث حين نعدّ من آخر الكلمة، ولا يكون النبر على المقطع الرابع حين نعدّ من الآخر إلاّ في حالة واحدة وهي أن تكون المقاطع الثلاثة التي قبل الأخير من النوع الأوّل “[8]

  • النبر المقطعي في القصيدة:

من خلال القوانين التي سنّها إبراهيم أنيس فيما يتعلق بنبر الكلمة،حاولنا إلقاء نظرة خاطفة على بعض الأسطر التي تكرّرت في القصيدة،ومثّلت جوهرها وتمحور حولها المعنى إذ يقول الشاعر:

فالمقاطع المنبورة في هذا العنوان استنزفت جهدا من لدن الشاعر.

وغنيّ عن البيان أنّ هذا الجهد لم يرد جزافا، وإنّما صاحبته دلالة ينشدها الشاعر فوقع النبر في الكلمة الأولى على المقطع الثالث عابرون، وحرف الراء تكراري فيه إلحاح على العبور والمضي،وفيه خاطب الشاعر العدو بنبرة تهكمية حمّلها كلّ معاني السخرية والاحتقار.

أمّا الكلمة الثانية في فوقع عليها النبر بعدّها مقطعا واحدا، وتدلّ على الزمان والمكان فعلى الغاصبين أن يمرّوا بل و ينسلخوا من الزمان والمكان .

وفي المورفيمين الأخيرين وقع النبر على المقاطع الأخيرة كلامن عابر وهو مقطع متوسط مغلق فهذا كلام عابر مغلق على ذاته حتى أنّه لم يخلّف أيّ أثر،وعلى المحتل أن يمرّ في هذا الكلام بكلّ ملابساته.

أييها الماررون بين لكلمات العابره

ص ع ص/ص ع/ ص ع  ع ص/ ص ع  ع ص/ ص ع ع /ص ع /  ص ع ص/ ص ع ص/ ص ع/ ص ع/ ص ع ع/ ص ع  ص /ص ع ع/ ص ع /ص ع ص .

وقع النبر في هذا السّطر على المقاطع الطويلة والتي احتوت على حروف المد ص ع ع ص والمقطع المتوسط المغلق ص ع ص.

آن/أن/تنصرفو

ص ع ع /ص ع/ ص ع ص/ ص ع ص/ ص ع /ص ع /ص ع ع

وقع النبر على المقطع المتوسط المفتوح ص ع ع والمغلق ص ع ص وكلّها تومئ وتؤكّد على جبرية الرحيل،هذه بعض النماذج عن النبر المقطعي التي جاءت متجانسة ونفسية الشاعر المتأجّجة.

 

  • دلالة النبر السياقي:

اقتحمت الآلة ميدان التحليل والدراسة الصوتية في العصر الحديث إذ مكّنت من تسجيل الأصوات والمعايشة الآنية لها، بعدما كانت الدراسة بصرية إثر الكتابة وقع النبر في هذا السّطر على المقاطع الطويلة والتي احتوت على حروف المد ص ع ع ص والمقطع المتوسط المغلق ص ع ص.

النبر في هذا السّطر على المقاطع الطويلة والتي احتوت على حروف المد ص ع ع ص والمقطع المتوسط المغلق ص ع ص.

آن/أن/تنصرفو

ص ع ع /ص ع/ ص ع ص/ ص ع ص/ ص ع /ص ع /ص ع ع

وقع النبر على المقطع المتوسط المفتوح ص ع ع والمغلق ص ع ص وكلّها تومئ وتؤكّد على جبرية الرحيل،هذه بعض النماذج عن النبر المقطعي التي جاءت متجانسة ونفسية الشاعر المتأجّجة.

فكانت تفرض ذاتا نطقية غير الأصلية،وحالات شعورية غير التي صاحبت الناطق الرسمي لها،ولما كانت قصيدة محمود درويش مسجّلة مكّنتنا من الإصغاء والملاحظة المباشرة  وقت إلقائه للقصيدة .

واعتمدنا في تحليلنا لقصيدة درويش على البرنامج الإلكتروني برات praat للإحاطة بموقع النبر والتنغيم وغيرها.

الشكل-1– : العنوان عابرون في كلام عابر

                   عابرون   في       كلام         عابر

من خلال التحليل الصوتي للعنوان عن طريق جهاز “راسم الطّيف الصوتي” الموضّح في الشّكل رقم -1- نلمح وقوع النبر على الصيغتين عابرون وكلام إذ ظهرت بلون أسود قاتم،وبلغت درجة الصوت في الصيغة الأولى 2042 هرتز في حين وصلت شدّته 49.4 دسل وينبئ هذا النبر بحقيقة هؤلاء العابرون،ويضرب بذلك في أعماق التاريخ  فكلّ داخل لهذا الوطن سيعبره لا محالة؛لأنّ التاريخ سيعيد نفسه، و يضمّ بذلك الماضي والحاضر والمستقبل،ثمّ يؤكّد على عبورهم في كلام عابر وتزداد درجة الصوت وشدته أكثر في كلام (شدّة 68.61 دسيل ودرجة 1915 هرتز )   وبذلك يقطع على أنّ الأرض ستبقى لمالكيها الشرعيين والأبديين،وحمّل الشاعر هذا العنوان كلّ ما يحمل من معاني القوّة واليقين،كما اكتنز كلّ الدّلالات التي سترد في باقي كلامه. ولدى نطق الشاعر كشف لنا عمّا يريد البوح به، والنبرة الحماسية بادية هنا؛لأنّ الشاعر تربطه بالأرض صلة إيديولوجية، كما أنّ وقوع النبر في مطلع القصيدة وفي رايتها، يشدّ انتباه السامع لاسيما إذا كانت تحمل طلاسم كالقصيدة التي بين أيدينا.

من خلال التحليل الصوتي للعنوان عن طريق جهاز “راسم الطّيف الصوتي” الموضّح في الشّكل رقم -1- نلمح وقوع النبر على الصيغتين عابرون وكلام إذ ظهرت بلون أسود قاتم،وبلغت درجة الصوت في الصيغة الأولى 2042 هرتز في حين وصلت شدّته 49.4 دسل وينبئ هذا النبر بحقيقة هؤلاء العابرون،ويضرب بذلك في أعماق التاريخ  فكلّ داخل لهذا الوطن سيعبره لا محالة؛لأنّ التاريخ سيعيد نفسه، و يضمّ بذلك الماضي والحاضر والمستقبل،ثمّ يؤكّد على عبورهم في كلام عابر وتزداد درجة الصوت وشدته أكثر في كلام (شدّة 68.61 دسيل ودرجة 1915 هرتز )   وبذلك يقطع على أنّ الأرض ستبقى لمالكيها الشرعيين والأبديين،وحمّل الشاعر هذا العنوان كلّ ما يحمل من معاني القوّة واليقين،كما اكتنز كلّ الدّلالات التي سترد في باقي كلامه. ولدى نطق الشاعر كشف لنا عمّا يريد البوح به، والنبرة الحماسية بادية هنا؛لأنّ الشاعر تربطه بالأرض صلة إيديولوجية، كما أنّ وقوع النبر في مطلع القصيدة وفي رايتها، يشدّ انتباه السامع لاسيما إذا كانت تحمل طلاسم كالقصيدة التي بين أيدينا.

علينا      عليكم                 سماء   هواء

 

الشكل رقم (2):وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

يتّضح من خلال الشكل -2- أنّ النبر وقع في كلّ بنى السطر الشعري، إذ نلمح تكافؤ لدرجات السواد في الرسم الطيفي،ووردت درجة الصوت وشدته لمواقع النبر في السطر كالتالي علينا: ش: 83.9 دسيل، و : 3417 هرتز ثم تقلّ نبرة الشاعر قليلا في قوله عليكم: ش: 83.01 دسيل، د: 3327 هرتز سماء: ش: 81.99 دسيل د: 3220 هرتز هواء: ش: 73.45 دسيل د: 2989 هرتز.

ليثبت بذلك أحقّية الشاعر وشعبه من سماء هذا البلد وهوائه أكثر من أيّ عابر (وعابر هنا مفتوحة على الطرف الآخر أياّ كان ) ولفظة هواء وسماء كلّها رموز تومئ بأحقّية العيش والحياة والحرية وبلاّ محدود،كما نلمح تماثل بين المقاطع المنبورة ليسمع من به صمم، ضف إلى ذلك تمركز السطر الشعري تذييلا ونهاية لجملة من المناظرات (منكم السّيف، ومنّا دمنا، منكم الفولاذ والنّار، ومنّا لحمنا….) وكأنّه (السطر الشعري الموضح في الشكل -2-) الخلاصة التي لا بدّ أن يؤول إليها الشاعر بل حتمية الواقع وهذا ما يمليه الماضي والحاضر،وما يجب أن يكون في المستقبل.[9]

وألبس الشاعر كلّ هذه المقاطع حلّة جمالية إيقاعية، تتجلّى من خلال ذلك التماثل بين المقاطع المنبورة، وجاء كلّ ذلك يتوافق مع الدّلالات التي يجهر بها الشاعر وينشدها بغية تأكيدها.

 الشّكل رقم: –3– واسرقوا ما شئتم من صور كي تعرفوا

صور

ما نستشفّه من خلال هذا الرسم، وقوع النبر على كلّ المقطوعة الشعرية ووقع بشدّة أكبر على صور، إذ بلغت شدّة الصوت عندها ش:  86.2 دسيل ودرجته 3684 هرتز “وهذا  يتطلّب قدرا كبيرا من الضغط، ومن مقدارالطّاقة التي تستهلك من أجل إنتاجها “[10] وما ذاك إلاّ تصريحا بما تحمله هذه الصور من ذكريات وتاريخ يرسم خطوط المستقبل الموعود؛لأنّها ستبقى في نهاية المطاف مجرد صور اقتطفتموها من متحف ومررتم به ذات يوم؛ولأنّ المتحف ملك للشّعب، لأمّة يحمل ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وسيبقى لوارثه،ولا ريب ستبقون سارقين لهذه الصور والسارق كان وسيظلّ سارقا إلى الأبد ولن ينعم أبدا بهذه السرقة.

ونخلص من مجمل ما سلف من استقراء وتقصّي للمقطع فوق تركيبي (النبر )أنّه أسهم إلى حدّ كبير في فّض مغاليق النّص الشّعري ومكّن من الولوج إلى مراميه الحقيقية، كما ألبس القصيدة حلّة جمالية إيقاعية تطرب لها النّفس، وتشدّ إليها الأسماع من صعود وهبوط وبروز وخفوت وغيرها.

 

الخاتمة

لقد حولنا من خلال هذا البحث أن نقف على الخصائص المائزة لإيقاع في شعر محمود درويش،فلكل نص شعري ما يميّزه عن غيره من السمات الأسلوبية والمقومات اللّغوية التي يتّكئ عليها وبالتّالي استطاع درويش أن يعتلي سماء الفّن الشعري الذي يتذوّقه القرّاء في كلّ زمان ومكان ،إذا انبجست لنا الوظيفة الجمالية على كلّ التّشكيل الشعري،انطلاقا من الحرف،فالصوت اللّغوي ، فالمقطع الصوتي الزمني،فالتفعيلة المفردة،فالسطر الشعري،فالنص،فالتجربة الشعرية ككل.

ثم استنتجت ظاهرة صدور الهاجس الشعري عند درويش عن ثقة أملاها التّمرس وبرصد إيقاع الواقع المعيش جسّدتها المقاطع فوق التركيبية كالنبر،والتي لاتقلّ أهمية عن الفونيمات الأساسية،فهي ظواهر صوتية صارخة أدّت وظائف دلالية وإيقاعية أسهمت في فض مغاليق النص الشعري،كما عملت على إماطة اللّثام عن نفسية الشاعر،وحقّقت بذلك الانسجام الصوتي وكان النبر ملمح تميزي استعمل كوسيلة ناجعة في إثراء الإيقاع الصوتي،وكان ملاذ الشعراء في تبديل أنماط النغم، داخل نمط القصيدة،كسرا لنمطية التّوالي بتنويعها قوة وضعفا.وذلك منعا للرتابة التي تحبس الجمال وتقتل الفّن.

 

قائمة المصادر والمراجع

1-إبراهيم أنيس ،الأصوات اللّغوية،مكتبة أنجلو المصرية،دط،1999.

2-ابن منظور،لسّان العرب،دارالكتب العلمية،ط1،مجموعة5،ج5،بيروت،لبنان،

1426ه-2005م.

3-أحمد مختار عمر،دراسة الصوت اللّغوي،دط،القاهرة،1976م.

4-تمّام حسّان،مناهج البحث في اللّغة،مكتبة النشّر للطباعة،دط،1989م،

5-حسام البهنساوي،الدّراسات الصوتية عند العلماء العرب والدّرس الصوتي الحديث،مكتبة زهراء الشرق،ط1،قاهرة ،مصر،2005م.

6-سبويه،الكتاب،تح،محمد عبد السّلام هارون،مكتبة الخانجي،بالقاهرة،ودار الرفاعي بالريّاض،ط2،ج2، 1406-1982م.

7-عبد الغفّار حامد هلال،الصوتيات اللّغوية،دراسة تطبيقية على أصوات اللّغة العربية،دار الكتاب الحديث،دط،1430-2009م.

8-مراد عبد الرحمان مبروك،من الصوت إلى النص نحو نسق منهجي لدراسة النص الشعري،دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،الاسكندرية-مصر2001م.

 

 

المراجع

[1] –  ابن منظور،لسان العرب، مج3، ج3،ص 757.

[2] – سبويه، الكتاب، ج3، ص 548.

[3] – ابن منظور،لسان العرب، مج3، ج3 ص 757.

[4] – ينظر: عبد الغفار حامد هلال،الصوتيات اللغوية ص 282.أحمد مختار عمر،دراسة الصوت اللغوي، ص 98.

[5] – ينظر: إبراهيم أنيس،الأصوات اللغوية،ص 98.وينظر: تمام حسان،مناهج البحث في اللغة ص160.

[6] – ينظر: م،ن،ص 122، وينظر: تمام حسان ،ص 164.

[7] – حسام البهنساوي،الدرسات الصوتية عند العلماء العرب والدرس الصوتي الحديث ،ص133.

[8] – إبراهيم أنيس،الأصوات اللغوية،ص 181، 182.

[9] – ينظر:مراد عبد الرحمان مبروك،من الصوت إلى النّص،ص 159.

[10] – مراد عبد الرحمن مبروك، من الصوت الى النص، ص 158.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.