ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مرح ما بين ظلم الخارج والداخل وهمة قوية تناطح السحاب

في معتقل الهشارون ، جدران باطنها الرطوبة ، وبُرشٌ فوق بعضها البعض ، سرير يتعالى على سرير ، كلما تحرّكت عليه تسمع صوت صدأ يتردد ليوقظ من هو نائم تحته ، وفيه تقبع الأسيرة مرح جودت بكير من محافظة بيت حنينا ،.

مضى من عمرها تسعة عشرة عاماً ، أما في هذا المعتقل قد انقضى من عمرها ثلاث سنوات، تعاظمت عليها خطوب الغدر والغيرة التي تأكل أنفس الحسّاد ، ممن كانت تعتبرهم دّالة الطريق وصويحبات الروح ، ولم تدرِ بأنهن يحكنّ المكائد ، وتأكلهن نار الغيرة ، فهي كانت ذات الشخصية القوية والمرحة والمحبوبة لدى الجميع ، وهذا ما اجتمعت عليه ستة من رفيقاتها ليضللن بها ويشجّعنها لعملٍ ضد الاحتلال ، وفي كل مرة كانت مرح تتغلب عليهن بفكرها المتفتّح وفكرها الواقعي ، تعارضهن في ذلك وتقول : أنا أريد أن أُكمل دراستي ، ولا دخل لي بهذه الطريق .

حتى وسوس لإحداهن قرين السوء وشيطانها بأن تسرق هوية مرح من حقيبتها ، فكانت تعرف بأن مرح تذهب مع عائلتها في كل جمعة رحلة للداخل الفلسطيني ، وكانت الرحلة لأرض البرتقال الحزين ” يافا ” فإحدى صديقاتها من التي تعرف قصة السرقة اتصلت بها لتقول لها مرح تفقدي هويتك ، فلما تفقدتها مرح جنّ جنونها ، فكما هو معروف أن الهوية الاسرائيلية إذا فقدت فصعب جداً تجديدها وعمل أخرى ، بعد ثلاثة أيام من حادثة السرقة عادت هوية مرح لحقيبتها كما هي ، فراجعت مرح بغضب ولوم وعتب صديقاتها التي أخبرتها بتفقدها ، ولكنها لم تفيدها بإجابة واضحة وهنا شعرت مرح أن هناك خلل ما! ،

وبعد مضيّ يومين من هذا الحدث تم اعتقال مرح، بعد شهرين من بدء الثانوية العامة وهي ذاهبة للبيت بعد انتهاء دوامها المدرسي بإطلاق النار عليها في حي الشيخ جرّاح ، بتهمة بريئة منها كل البراءة وهي محاولة طعن جندي ، وفي المحكمة اصطفت صديقاتها الستة ليشهدن عليها أمام العدو ، شهادة زور ، ولمّا زارت إحدى صديقاتها أمها للبيت قالت لها بلسانها : نحن فعلنا ذلك لأننا نغار منها , فكانت صدمة الأم هنا وطردت صديقتها من البيت .

تعرّفت على مرح في المعتقل وتوطدت علاقتنا فيه ، فهي ذات قلب طيب وأخلاق عالية، وثقافة واسعة وفكر ثاقب ، وطبّاخة ماهرة في الأسر ، وخدومة تحب الجميع, وكل الظلم الذي ذاقته مرح في الخارج لم يشفع لها في الداخل من ظلم بعض الأسيرات لها، ولكن حسبها قوة شخصيتها وحسبنا الله ، ومواقفها المميّزة ، كان أثر كبير على نفسي وعلى نفس مرح عند خروجي من السجن ، والبكاء كان حاضراً رغم فرحتها بخروجي ، إلا أن غصّت الروح بالوداع …

ولكني على ثقة تامة بأني تركت ورائي فتاة تعي ما يحصل حولها وقادرة على مواجهة الصعوبات وتشكيلها لهدايا من الله .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.