ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

وتبقى أمّي حرةً ..شمسًا مضيئة

جمان ونمير وخزامى يكتبون عن أمهم الأسيرة سونيا الحموري

“ما تنسوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون”، آخر وصايا أمي لنا، لم تكن أمنا مجرد أم إنما كانت الأخت والصديقة التي تسندنا جميعاً وتستمع لنا مهما كانت أحاديثنا هامشية وبلا معنى،أمنا صاحبة الأحلام المشرقة لمستقبلها ولمستقبل أولادها وصاحبة الإرادة القوية في كل فعل، لم يقتصر دورها على أسرتها وإنما كانت صاحبة تأثيرٍ على من حولها، المبادرة والروح المرحة، صاحبة الرسالة والمبدأ.

لقد اعتدنا على أمنا مثابرة ومجتهدة تحثنا على العلم والاجتهاد، فدائماً ما كانت الحافز القوي أمامنا للتقدم والتفوق في كل عمل وخاصة في العلم والتعلم، فهي لم تبرح يوماً عن طلبه حتى هذا اليوم الذي من المفترض أن تكون تعد لرسالتها لشهادة الماجستير الثاني في الإرشاد.

عهدناها طالبة للعلم، ودائماً ما كانت تحدثنا عن جدتنا التي كانت تدفع بها وبإخوتها نحو المعرفة والاطلاع ، برغم من الظروف التي عاشوها في صغرهم، ولقد كانت أمنا تسعى لوطن واعٍ قادرٍ على النهوض بنفسه، فلا نجد دافعاً يلهمها لطلب العلم أكثر من دينها ووطنها الذي تحلم به، فبدأت بنفسها فأولادها حتى وصلت لطلابها وطالباتها لقد كنا في ذلك نحن أبناءها وزوجها نعينها في كل خطوة تخطوها، ولكن العون كله بعد الله يعود لأمها التي لم تترك تشجيعها وتقديم كل ما تستطيع لدعمها.

لكن الأحداث الأخيرة حالت بين كل ما تحلم، أحداث سبقت توقعاتنا أن تهاجم خفافيش الليل بيتنا في تلك ليلة وتختطفها من بيننا، الليلة التي اجتمعنا حولها لمساعدتها في صنع “مكرميات” لنباتاتها، وبعد أن غلب علينا النعاس غادر كلٌ منا إلى فراشه فلم نلبث إلى القليل حتى سمعنا الضرب على باب المنزل لنعلم أن جيش الاحتلال بعتاده أمامه، وبكل خباثة أخبرنا: “احنا ما بدنا ندخل بس نادولنا سونيا”

كنا نخال أنه كابوس غطرس على أحلامنا، غادرت المنزل ولم تغادر قلوبنا، غادرت وتركت لعناتنا على الاحتلال،تركت المسؤولية على عاتقنا في سد الفراغ الذي لا يمكن أن ينسد لعدم وجودها وفي حمل رسالتها وأخلاقها التي ربتنا عليها، تركت خلفها من أحبها بكل صدق ووفاء والدنا، وخمس أبناء خزامى، جمان، البراء، نمير، وأصغرهم حبيب الله .

أمنا اليوم تحتجز بسجن هشارون المخصص للنساء، وآخر معلومة وصلتنا عنها أنها لا تستطيع الخروج “للفورة” بسبب كاميرات المراقبة التي وضعت في الساحات الخارجية لمراقبتهن هي ورفيقاتها في السجن، ولم ترى ضوء الشمس منذ مدة، ولقد منعنا من زيارتها بسبب تأخر معلومات الصليب الأحمر عن مكانها بالتحديد، فمعلوماتهم وبعد شهر كامل من اعتقالها لاتزال تشير الى أنها ما زالت في التحقيق في عسقلان.

لقد اعتقلت في الرابع عشر من اغسطس المنصرم أي قبل عدة أيام من عيد الأضحى حينها لم نكن نعلم عنها شيئاً، حتى جاء اتصال من المحامي يطمئننا ويخبرنا عن وضعها في التحقيق، “عيدوا وانبسطوا وما تحرموا حالكم من الفرحة، وهو في أحلى من أني أكون على شط عسقلان؟”، أتت كلماتها التي ارسلتها لنا على لسان المحامي كالنسمة الباردة في الصحراء القاحلة، كم هونت علينا وكم خففت ابتلائنا، لاتزال أمنا بقوتها.

وكم نعلم أنها مصيبة يصعب تحملها علينا وعليها ليس كمصيبة بحد ذاتها إنما بمن حولنا، نحن بحاجة الدعم لا الشفقة بحاجة القوة لا الضعف بحاجة الصدق لا النفاق فكونوا عونا وسدنا لا بالمال والعتاد وانما بالامتناع عن الكلام الزائد كونوا خفيفي الظل كأرواحكم،

ونهايةً إنك يا أمي دائماً بين اللهم وآمين، دمتي لنا الخير كله ودمتي لنا سالمة.

2 تعليقات
  1. اسماء يقول

    الله ينزلها بالسلامة

  2. محمد الناصر يقول

    العدو يستطيع حبس الأجساد، لكن العقول والأرواح والأفكار تظل حرة، فلا غرابة أن ترى الأسيرة في العتمة نورا، وفي الضيق فرجا، وفي السجن مدرسة وجامعة. وأمر المؤمن كله له خير، وبشر الصابرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.