ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أوَ يأتينا فتحٌ كفتحِ صلاحٌ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
أوَ يأتينا فتحٌ كفتحِ صلاحٌ؟!

في اليوم الثاني من شهر أكتوبر من عام ألفٍ ومائةٍ وسبعةٌ وثمانين، في يوم ذكرى معراج النبي المكمَّل، السابع والعشرين من شهر رجب المُحرَّم من عام خمسمائةٍ وثلاثةٍ وثمانين من الهجرة النبوية، كان موعد تحرير بيت المقدس من أيدي الصليبين..
على يد السلطان الغازي، أبو المظفَّر، النّاصر صلاح الدين والدنيا، ذو القلب العسكري”صلاح الدين الأيوبي”..
بعد النصر الذي حُقق في حطين، توجَّه لبيت المقدس لتحريرها..
وكل ذلك إثر رسالةً عجَّلت بذاك الفتح، حيث جاءت لذاك السلطان الناصر برقيةً “رسالة” من شابٍ مقدسي أسيرٌ لدى الصليبين في القدس، قال فيها:
يا أيُّها الملك الذي لمعالمِ السلطان نكَّس /// جاءت إليكَ ظُلامةٌ تسعى مِن البيتِ المقدَّس

كلِّ المساجدِ طُهِّرت /// وأنا على شرفي مُنجَّس

وكتب في آخرها ” نشتاق لنسمع الآذان من الأقصى”
قرأ ذلك السلطان الرسالة وانهمكت عيونه بنهرٍ جارفٍ من الدموع..
وقبل التوجه لبيت المقدس مباشرة وتحريرها، أراد تحرير مدن  الساحل ثم بعدها الهجوم على مَن في القدس، فحرر عكا ومِن ثمَّ فتحوا نابلس وحيفا والناصرة وقيسارية وصفوريةبعد أن خلا معظمها من الرجال إما لمصرعهم على أرض المعركة أو لوقوعهم في الأسر أو لهربهم من أمام الجيش الأيوبي بعد أن قل عددهم. ولمّا استقرت قواعد عكا، قسّم صلاح الدين أموالها بين أهلها، وأبقى بعض القادة الصليبيين في الأسر وأطلق سراح بعض الجنود، ثم سار يطلب قلعة تبنين،فنصب عليها المناجيق وضيّق عليها الحصار، وقاومت حاميتها مقاومة عنيفة قبل أن تستسلم ويدخلها الجيش الأيوبي، ثم ارتحل بعد ذلك قاصدًا صيدا وتسلمها في اليوم التالي لوصوله.
ثمَّ فتح بيروت وتوجًّه لعسقلان وتسلَّم على إثرها مواقع عديدة منها الرملة والدراوم، إلى أن تسلّم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال، وهكذا كان صلاح الدين قد استرجع أغلب ساحل الشام، وظل في عسقلان حتى نظَّم ادارتها وسلّمها لأحد مماليكه، ثمَّ رحل عنها متوجهًا لبيت المقدس لفتحها، من جهة عين سلوان حتى يكون الماء قريب من جيشه وأمر جنده بمحاصرة المدينة في هيئة دائرية، وصلى المسلمين على الجبل الذي حولها يوم الجمعة، وزحفوا للقتال بعد الصلاة، وحثَّ باليان أحد فرسان الفرنجة المتولي شؤون القدس حينها السكان أن يدافعوا عن حياتهم ومقدساتهم حتى الرمق الأخير، وعندما أرسل له صلاح الدين أن يسلم المدينة ويطلب الأمان لم يفعل، وأصر على القتال واستمر في الحرب لمدة 14 يومًا.

وتمَّ الاتفاق على دفع الفدية مقابل الموافقة على شروط الاتفاقية، ومن أدى ما عليه في المهلة التي قَدرها أربعين يومًا، صار حرًا.ثم سمح صلاح الدين بعد أن انقضت المهلة لمن لم يستطع الدفع منهم بالمغادرة دون فدية،ولكن تم بيع معظم المقاتلين منهم عبيدًا.
وتمَّ فتح بيت المقدس حينها سلمًا لا قتالًا ودماءً، وقد ابتهج المسلمون ابتهاجًا عظيمًا بعودة القدس إلى ربوع الأراضي الإسلامية، وحضر ناس كثيرون ليسلموا على السلطان، وتمَّ تطهير المسجد الأقصى من دنس الصليبين، وتم غسل أراضيها بماء الورد، وتطيبها بعطر المسّك، وكان الخطباء والعلماء يتوافدون ويتصارعون أيّهم يخطب خطبة النصر حينها..

رسالةً أدت لفتحٍ عظيم، عندما كان القلب والهمَّة والدِّين الحقّ موجود..
لكنَّ اليوم!!
أرواحٌ تُزهق، ودماءٌ تسيل…
أراضٍ تُسلب، وبيوتٍ تهدَّم…
ولا حجرٌ ولا طيرٌ ولا بهيمةٌ سلمَت مِن تلكَ الغاصبين..
وكلِّ العالم ساكنٌ لم يحرك شيئًا سوى كلامًا في الهواء.. يتحدثون به مرتجفين خائفين..
فاللهمَّ تحريرًا ونصرًا وثباتًا وتمكينًا منكَ يا الله..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.