ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

انتفاضة الأقصى.. بددت مسار التسوية وقهرت “أسطورة” جيش الاحتلال

 

منذ أن وقعت فلسطين المحتلة تحت الانتداب البريطاني، بسبب ضعف الدولة العثمانية وتقسيم الاستعمار الغربي للوطن العربي، عرفت فلسطين المقاومة بشقيها؛ المسلح والسلمي، وحاربت بريطانيا العظمى الشعب ومقاومته بذات الطرق التي يُحاربنا بها الاحتلال “الإسرائيلي” اليوم.

تحررت فلسطين ليوم واحد وغزتها العصابات الصهيونية، بعد أن ثبّتت لها بريطانيا قواعد ومنحتها “وعد بلفور”، وسعت عبر المجازر وما رافقها من ترهيب وتهجير (ترانسفير) لتكوين كيان لها على أرض فلسطين التاريخية، لتطال فيما بعد أجزاء أخرى من الدول العربية المجاورة، لا سيما سورية ولبنان والأردن ومصر.

وأطلق في بادئ الأمر مصطلح “الصراع العربي- الإسرائيلي” على ما يحدث من احتلال واستيطان في فلسطين (…) إلى أن بدأ العرب نظامًا تلو الآخر بالتخلي عن فلسطين وحصر تحريرها وخلاصها من الاحتلال بالفلسطينيين وحدهم؛ خاصة بعد توقيع اتفاقيات ومعاهدات السلام بين مصر وتل أبيب من جهة والأردن وتل أبيب من جهة أخرى، إلى جانب وضع أجزاء من سورية (الجولان) ولبنان تحت الحماية الدولية (قوات اليونيفيل)، ومن ثم لحق بركبهم منظمة التحرير الفلسطينية التي “خرجت من المولد بدون حُمُّص” لا سيما بعد النتائج الواقعية على الأرض، بعد مسيرة عبثية استمرت أكثر من 20 عامًا في مفاوضات التسوية السلمية، والتي جنى ثمار خرابها الشعب وأرضه ومقدساته وممتلكاته.

عام 1987 وبعد حادثة دهس مستوطن صهيوني لعمال فلسطينيين وقتلهم، اتخذ الشعب قرارًا بتفجير انتفاضة الحجارة (الانتفاضة الأولى)، واضعًا نُصب عينيه حلم الدولة والعودة، إلى أن انطلقت في بداية التسعينيات من القرن الماضي مباحثات التسوية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي أقرت “بلا ثمن” وجود كيان الاحتلال ومنحته “شرعية” على أرض فلسطين التاريخية الوقفية.

وجاءت أوسلو وجلبت معها من الويلات ما اكتوى به الشعب وذاق وبال أمره عندما آمن بحلم “السلام”. وبعد عدة سنين على توقيع اتفاقية أوسلو ومن قبلها تفاهمات مدريد بمختلف مجالاتها، وما خُفي أعظم، قرر الشعب مرة أخرى أن يثور في وجه الاحتلال؛ لعدة أسباب أبرزها تدنيس المسجد الأقصى من قبل شارون، وأسباب أخرى أمنية ميدانية تمثلت بالاعتقالات والاغتيالات في صفوف المقاومة، وسياسية تمحورت حول غياب الحل وانعدام فرصة تحقيق “أحلام السلام”.. فكانت انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، عقب هبة عام 1996 التي لبت هي الأخرى نداء الأقصى بعد أن كُشفت الحفريات اليهودية تحته ومحاولة تهويده والمقدسات.

شكلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نقطة تحولٍ في مسار القضية الفلسطينية، وعملت على قلب الكثير من التوازنات؛ حيث أسقطت “أسطورة” الجيش الذي لا يقهر وقهره مخيم جنين بمقاوميه من مختلف الفصائل، وأوجدت قاعدة “الند بالند” عبر اغتيال الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي، وأسست لمرحلة جديدة من التحرير، أجمعت خلالها مختلف الشرائح الفلسطينية على نهج المقاومة.

في الـ 28 من أيلول (سبتمبر) عام 2000، شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة، اندلاع الانتفاضة الثانية “انتفاضة الأقصى”؛ والتي كان سبب انطلاق شرارتها وتوسعها لتشمل كافة المدن الفلسطينية المحتلة اقتحام الهالك أريئيل شارون على رأس زمرة من المتطرفين الصهاينة لباحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة وتدنيس ساحاته.

وذكر الإعلام العبري في ذلك الوقت أن رئيس الوزراء في حينها إيهود باراك، أعطى الموافقة على الاقتحام لشارون، والذي تمّ بحماية نحو 2000 من الجنود والقوات الخاصة.

اختلفت الوسائل التي استخدمها الشعب والفصائل في مجابهة الاحتلال هذه المرة؛ بدأت بالحجارة والزجاجات الحارقة وتطورت إلى التصدي المسلح والاشتباكات إلى ضرب الاحتلال في قلب كيانه بالعمليات الاستشهادية والسيارات المفخخة وليس انتهاءً بالصواريخ محلية الصنع والتي تطورت فيما بعد. وقد تميزت الانتفاضة الثانية مقارنة بالأولى بكثرة المواجهات، وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال.

وأدى تصاعد الأحداث، في اليوم الأول من انتفاضة الأقصى إلى استشهاد 7 مواطنين وإصابة 250، إلى جانب إصابة 13 جنديًا إسرائيليًا. وامتدت المواجهات من القدس المحتلة إلى كافة مدن الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.

وقد أسفرت أحداث الانتفاضة، التي استمرت نحو 5 سنوات (أيلول 2000- شباط 2005)، عن استشهاد 4 آلاف و412 فلسطينيًا وإصابة نحو 48 ألفًا و322 آخرين، ومقتل 1069 “إسرائيليًا”؛ (جنود ومستوطنين) وجرح 4 آلاف و500. واعتقل الاحتلال خلالها ما يزيد عن الـ 7 آلاف أيضًا؛ بعضهم لم يُفرج عنه حتى يومنا هذا.

وخلال أحداث الانتفاضة عملت قوات الاحتلال على اجتياح مدن الضفة الغربية بشكل كامل، رغم وقوعها تحت حكم السلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو التي وقعت بين تل أبيب ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993.. إلى جانب نشر حواجز ونقاط عسكرية بشكل مكثف في مختلف أنحاء الضفة المحتلة؛ عملت فيما بعد على تقطيع أوصال الضفة وتحويل مدنها وقراها إلى مناطق معزولة وكانتونات.

وعمل شارون بعد أن فاز في الانتخابات الإسرائيلية، على اغتيال أكبر عدد من قيادات الصف الأول بالأحزاب السياسية والعسكرية الفلسطينية، في محاولة لإخماد الانتفاضة، ولإضعاف فصائل المقاومة وإرباكها، وفي مقدمتهم مؤسس حركة المقاومة الإسلامية “حماس” الشيخ أحمد ياسين (اغتيل بصواريخ إسرائيلية في الـ 22 آذار/ مارس 2003).

ومن أبرز أحداث الانتفاضة الثانية اغتيال وزير السياحة في حكومة الاحتلال رحبعام زئيفي، على يد مقاومين من “الجبهة الشعبية” لتحرير فلسطين، وذلك ردًا على اغتيال تل أبيب للأمين العام للجبهة “أبو علي مصطفى”.

واغتال الاحتلال شخصيات بارزة، بينهم القادة في حركة “حماس” عبد العزيز الرنتيسي (17 نيسان 2003) وجمال منصور وجمال سليم (31 تموز 2001)، إضافة إلى أمين عام الجبهة الشعبية أبو علي مصطفى، وقائد الجناح المسلح لحركة “فتح” رائد الكرمي.

ووسعت فصائل المقاومة خلال الانتفاضة الثانية أجنحتها العسكرية، وقامت بتطوير سلاحها، حيث تمكنت الأذرع العسكرية من تصنيع صواريخ، استطاعت ببعضها ضرب المدن والبلدات التابعة لسلطات الاحتلال في أراضي الـ 48.

انتهت أعمال انتفاضة الأقصى في الـ 8 من شباط/ فبراير 2005، عقب توقيع اتفاق هدنة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في قمة “شرم الشيخ”. غير أن مراقبين يرون أن الانتفاضة الثانية لم تنته لعدم التوصل إلى أي حل سياسي واستمرار المواجهات بمدن الضفة.

نهاية الانتفاضة وبعد توقيع اتفاق التهدئة عام 2005، استفاق الشعب والسلطة على واقع سياسي وجغرافي قد ازداد صعوبة؛ حواجز ونقاط عسكرية قسمت الضفة الغربية والقدس المحتلتيْن، بالإضافة لقطع التواصل الجغرافي مع قطاع غزة المحاصر والداخل المحتل 48.

ومن بين أبرز تداعيات الانتفاضة الثانية شروع الاحتلال عام 2002 ببناء الجدار العازل، لمنع دخول الفلسطينيين من محافظات الضفة الغربية للأراضي المحتلة عام 48 ومدينة القدس المحتلة، والتي كانت شاهدة على العديد من العمليات الاستشهادية والفدائية.

وقد مُنيت دولة الاحتلال فادحة أيضًا، لعل أبرزها ضرب قطاع السياحة واقتصاد المستوطنات لسنوات، وسقوط فلسفة الجيش الذي لا يقهر بعد مقتل قائد وحدة الهبوط المظلي بالإضافة إلى 58 جنديًا، وإصابة 142 آخرين في مخيم جنين.

ومن منظور “فإنهم يألمون كما تألمون…”، فقد مُني الاحتلال أيضًا بخسائر في عدة مجالات؛ اقتصادية تمثل بتراجع السياحة، وسياسيًا تضررت تل أبيب، ولو جزئيًا، على صعيد تدويل القضية الفلسطينية وقد أظهرت الانتفاضة الوجه الحقيقي للاحتلال خاصة بعد الجرائم التي ارتكبها؛ لا سيما قتل الأطفال وأبرزهم إيمان حجو وفارس عودة وليس آخر تلك الجرائم قتل محمد الدرة.

وما يُميز هذا الانتفاضة عن سابقتها (الانتفاضة الأولى ووقعت في 8 كانون أول/ ديسمبر عام 1987)، هو أنها جاءت عقب 7 سنوات من توقيع اتفاقية أوسلو ودخول السلطة الفلسطينية لتؤسس “سلطة حكم ذاتي” في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد جاءت عقب “الشعور باليأس” من مسار التسوية.

اعتبر محللون سياسيون أن انتفاضة الأقصى جاءت في سياق يختلف كليًا عن انتفاضة الحجارة، وخاض الفلسطينيون الانتفاضة الأولى تحت شعار الحرية والاستقلال على طريق إقامة الدولة الفلسطينية.

ويعتبر الطفل الفلسطيني “محمد الدرة” رمزًا للانتفاضة الثانية، فبعد يومين من اقتحام المسجد الأقصى، أظهر شريط فيديو التقطه مراسل قناة تلفزيونية فرنسية، يوم 30 سبتمبر/ أيلول 2000، مشاهد إعدام حية للطفل البالغ (11 عامًا) الذي كان يحتمي إلى جوار أبيه بـ “برميل إسمنتي” في شارع صلاح الدين جنوبي مدينة غزة.

وكانت مستوطنة “سديروت” المحاذية لقطاع غزة على موعد مع تلقي أول صاروخ فلسطيني محلي الصنع أطلقته كتائب القسام (الذراع العسكري لحركة حماس)، بعد عام من انطلاقة انتفاضة الأقصى يوم 26 أكتوبر/ تشرين أول 2001، لتطور الكتائب بعد ذلك، وعلى نحو متسارع، من قدراتها في تصنيع الصواريخ حتى وصل مداها إلى كبرى المدن في الداخل الفلسطيني المحتل 48.

مع اندلاع انتفاضة الأقصى، شهدت الأراضي المحتلة عودة قوات الاحتلال لسياسة تدمير المنازل وتجريف الأراضي الزراعيّة من جديد، بذريعة مقاومة أحد أفراد العائلة للاحتلال.

وأعلنت سلطات الاحتلال في تاريخ الأول من آب/ أغسطس 2002، رسميًا، عن انتهاجها لسياسة هدم منازل ذوي فلسطينيين تدعي أنهم نفذوا، خططوا أو ساعدوا للقيام بأعمال ضد أهداف إسرائيلية في الأراضي المحتلة كوسيلة من وسائل الردع في مواجهة الانتفاضة.

وقد هدمت سلطات الاحتلال خلال سنوات انتفاضة الأقصى قرابة الـ 23 ألقًا و769 منزلًا في الضفة الغربية والقدس المحتلتين وقطاع غزة، بشكل كلي وجزئي. وأنذرت في الضفة والقدس 5 آلاف و565 منزلًا بالهدم.

وقد بلغت مساحة ما جرفته قوات الاحتلال من الأراضي الزراعية منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى نهاية شهر أبريل 2004 في قطاع غزة، حوالي 22892 دونمًا؛ أي قرابة 14.6% من مجموع الأراضي الزراعية للقطاع. وفي الضفة الغربية 70.4 ألف دونم، والتكلفة التقديرية لخسائر تجريف الأشجار بلغت حوالي 77.9 مليون دولار.

انعدام الأفق والحلول السياسية الناجعة وتنامي انتهاكات الاحتلال للمسجد الأقصى وبحق المقدسات والممتلكات الفلسطينية في الضفة والقدس، وتواصل الاعتداءات في قطاع غزة؛ لا سيما حصاره المستمر منذ 12 عامًا، كلها أسبابٌ وعوامل شبيهة بتلك التي سبقت انتفاضة الأقصى “الانتفاضة الثانية”.. ولا بُد من الإشارة إلى أن انتفاضة القدس (بدأت في تشرين أول/ أكتوبر 2015) كان سببها الرئيسي اعتداءات الاحتلال وقطعان مستوطنيه على الأقصى والمرابطين فيه.. كل ما سبق يوضح بأن الانتفاضة تنطلق دون إذن وتتشكل قيادتها تلقائيًا، بالإضافة إلى أن سبب وجودها ما زال قائمًا وجاثمًا على أرض فلسطين (الاحتلال الإسرائيلي) ينتهك حقوق أهلها وينهب مقدراتها ويُدنس ويهود مقدساتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.