ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

كانت الفكرة ولا زالت هي الكاميرا!

ما أظهرته وما تُظهره الكاميرات ومن ثم وسائل الإعلام والميديا وغيرها من أدوات ووسائل نقل المعلومات والصور والأفكار كانت وما زالت هي الأساس في تكوين الأفكار لدى المتلقيين.

 

إذ وجدتُ خلال فترة بحثي وتنقلي بين أكثر من دولةٍ صورةً إستباقيةً في كلٍّ منهم عن الأخرى، سواء كنتُ جزءاً منها أو زائرةً لها!

وحين آتي بالتفاصيل بعد قليل ستجدُ نفسَك أيُّها القارئ تارةً مكان السائلِ وتارةً مكان المسؤول، وهذا بناءً على مكانك في الأحجية وبناءً على ماضيك السابق مكاناً.. فإن كنتَ قد تنقلت من مدينة لأخرى في موطنك أو من موطنك لدولة أخرى سترى ذلك حتماً.

 

فعندما كنت في وطني -فلسطين المحتلة- كنتُ أحملُ رؤى معينة عن صورتنا أمام العالميْن العربي والإسلامي وكنت أظنّ أننا شُغلهم الشاغل، كبرتُ قليلاً ودَخلت الميديا ووسائلها حياتي فاكتشفتُ عكس ذلك كوننا لا نُشكّل شغلاً لأحد أو حتى شغلاً مؤقتاً لأيٍّ من الدول أوالمجتمعات أو الأفراد!

هنا ستعلم أنك كلما خرجتَ من دائرتك تعلمتَ الواقع أكثر وانتبهتَ لعدم مركزية الكون حولك وقد تكتشف أيضاً النظرةَ العامةَ لك وهي ما قد يكون بالمناسبةِ أبعد ما تكون عن تلك التي حملها عقلك وأيقنها فكرك..

 

ما دفعني للتفكير بهذا الكلام وهذه التفاصيل هو ما مررتُ به في كل مكانٍ زرتُه، فحينما كنت في مصر الحبيبة وجدتُ نظرات التساؤول عن الحياة في فلسطين وعن كيفية المعيشة بين الصهاينة كاحتلال وكيف نتنقل وكيف نرتضي بهذا وكيف لنا أن نتحمل وكيف وكيف وكيف!

كل هذا عادي جداً، فالكلُّ يسأل ويتمعن في تفاصيل الإحتلال والمحتل تحديداً وينمو فضوله حينما يرى جزءاً أمامه من هذا الواقع الصعب الذي لا يعلم فتأخذُه الأسئلة والفضول مأخذاً واسعاً ويبدأ في طرح كل ما يجري في تفكيره وما لا يستسيغ فهمه وما يراه غريباً، فالواقعُ مختلفٌ قليلاً عن الكاميرا والفضول ربيب المختلف، لكن الغريب هو تطور الأسئلة لأسئلةٍ عجائبية مثل: “هل لديكم إنترنت؟” و”هل لديكم منتزهات ومولات وملاهي؟” و”هل لديكم ملابس جميلة كالتي لدينا!!” و” هل تخرجون من بيوتكم بشكل عادي وتتزاورون؟!” و كان الأكثر غرابة “هل تعرفون البيتزا وتذوقتموها من قبل؟” !!!

كان السؤال الأخير قاتلاً بالنسبة لي!!

فيجول في فكري هل علي أن أقول له كيف أحضر طبق “الفوتوتشيني” في بيتي لأثبت له أننا على نفس الكوكب؟!

 

هذه الأسئلة كلها تُثير استفزازي حقاً، لكونها تشعِرُني أنني كائنٌ فضائي قد حَطّ من سماءٍ أخرى وعالم آخر!

فالأخبار الدائمة عن القتل أو التشرد أو الإعتقال أو الإقتحامات أو الإستشهادات أو الحصار وغيرها من الأمور-الموجودة بالتأكيد والتي تحصل بالتأكيد- جعلتنا في نظر المتابعين أننا في الألفية السابقة ولا نحيى حياةً كحياتهم أو لم ترتقِ معارفنا لمعارفهم!!

 

المطلوب هنا توضيح كامل للحال والظروف التي تتواجد داخل المجتمع -الفلسطيني على وجه الخصوص اتجاه ما سبق وبشكل عام للفكرة ككل بخصوص أي مجتمع آخر-، كما يجب أن تكون هناك برامج شاملة تعريفية بالتاريخ القديم والحاضر..

فنعم لدينا مما لديكم وقد يكون أكثر!

نعم نلبس ونأكل ولدينا متنزهات وحدائق وماركات عالمية من الملابس والسيارات الفارهة وكل شيء تتخيلونه أو تريدون السؤال عنه..

 

نفس الفكرة تعرضتُ لها في السعودية لكن بشكل أخف، كون السعوديون لا يعلمون شيئاً عن فلسطين-كاحتلال أو كمجتمع- وما لفّ لفها بشكل عام.

 

وحينما عدتُ لأرض الوطن واجهتني الأسئلة ذاتها لكن معكوسة!

“هل صدقاً المصريون يعيشون في عمارات آيلة للسقوط والعشوائيات؟” “هل التحرش في الشوارع مرعباً حقاً كما نقرأ؟” “هل هم فقراء جداً كما نراهم في الأفلام؟” وهل وهل وهل !!

 

أسئلة مستفزة أيضاً كون خلفية كل السائلين من كل الأطراف تمحورت من الإعلام وما يُقحِمه في عقولنا من خلال الأخبار أو البرامج أو الأفلام أو المسلسلات، بالتالي الجهل بالآخر قد يكون أفضل من رسم صورة مزيفة أو مغلوطة أو صحيحة على فئة صغيرة جداً من المجتمع ومن ثم تقديمها على هيئة صورة عمومية لمجتمعٍ أو دولةٍ ما!!

 

وقد أبرر وأتفهم أسئلة السائلين حينما أتذكر رؤيتي السابقة لقطاع غزة نتيجةً لحروبها وحصارها بأنها لا يوجد بها مبنى متكامل ولا مطاعم ولا حدائق وبأن الناس جوعى ويعيشون في الخلاء بلا مأوى، لكن الصورة اتضحت فيما بعد بأن هذه الفئة موجودة ووضعها مؤلم ولكنها لا تنفي وجود حياة ومطاعم ونزهات وبيوت وفلل من الطراز الرفيع!

 

لذا علينا أن نعي أكثر ونسعى أكثر للبحث عن الواقع ومعرفة تدرجاته واختلافاته جميعها، يجب أن نتيقن أن أي مجتمع فيه من الطبقات ما لا نتخيل وفيه من الإختلافات ما نعرف وما لا نعرف!

إذن تعميم فكرة معروضة في فيلم على ملايين من الأفراد هي شيء كارثيّ حقاً!

أن تشعر أنك كائن زومبي أو فضائي فقط بناءً على جنسيتك أمر يُثير الرعب والريبة حيث يكون الآخر قد شكّل في وعيه صورةً عنك بما رأى وسمع سابقاً..

 

3 تعليقات
  1. Basem Yousef يقول

    دائما المبدعة المهندسة سماء قعدان تبهرنا بكتاباتها الرائعة 👏

  2. Ahmed يقول

    برافوووو 👏🏻👏🏻

  3. زياد الأدهم يقول

    الإعلام واجهة الحكومات .. ولو نظرنا للوطن العربي لوجدنا أن مصالح الحكومات المختلفة تصب في بوتقة واحدة وهي جهل الشعوب .. وطالما أنني المتحكم الوحيد في مصدر المعلومات لهذا الشعب فستظل بيدي السلطة وهذا أهم ما في الأمر .. لا اعتبارات وطنية .. فقط مصالح شخصية تخدم المحتل -الذي بالمناسبة لا يشترط أن يكون مباشرا وأعني به احتلال بلا جيش -..
    أنا لا أضع اللوم جميعه على الحكومات .. ولا على المؤامرات الكونية .. ولكن صدقا من أسباب تشردنا وفرقتنا هو الجهل بالآخر .. تصدير الفقر والمرض والعوز بالتبادل تجعل كل مجتمع يخشى الآخر ..
    فالخليجي يخشى المصري لاعتقاده أنه يسعى وراء أمواله والمصري يخشى الفلسطيني لاعتقاده أنه يسعى وراء أرضه .. وهكذا دواليك ..
    كلٌ يتعامل مع الآخر بما صدره إعلام حكوماته له والتي بالتالي تخدم مصالح عليا بعلمها أو بعدم علمها ..
    اللهم ماعدا بعض المحاولات الفردية لتدارك هذه الظلمة الحالكة فجعلت من نفسها نبراسا لمن أراد التبصر ورؤية الحقائق دون تزييف ..
    مقال رائع ومجهود مشكور .:)
    دمتِ بخير سماء .:)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.