ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عُلا.. حمامة زاجل الأسيرات

عبثاً تحاول أن تخفي وراء كلماتها شوقها لمَن تركتهنّ خلفها في الأسر، وعبثاً تحاول أيضاً أن تداري دمعتها، كانت تنظر للمستقبلين لها وكأنهم فاتحين خاضوا غمار معارك ضارية لأجل هذه اللحظة، وكانت أيضاً نبضات قلبها تخفق بسرعة كبيرة، ما بين لحظة حرية الجسد، ولحظة الفراق مجدداً.

كانت عُلا مرشود على موعد مع الحرية أمس، ولكنها كانت على موعد مع الفراق المتجدد، إذ اعتادت منذ 7 أشهر -مدة مكوثها في سجون الاحتلال الصهيوني- أن تشارك أسيرات بلغ عددهن 58 أسيرة، تفاصيل العيش، أقساها بكل تأكيد البوسطة كما نعلم، ولكن ثمة تفاصيل خانقة تحاول عُلا تفصيلها للمتحدث معها، كأن تحاول أن تشرح كيف يصبح حجاب الأسيرة ملازم لها في كل ثانية، لا تستطيع خلعة، في الفورة -فترة خروج الأسيرات من الأقسام الى الساحة- ثمّة مراقبة بالكاميرات لهنّ، عدا عن احتمالية اقتحام الأقسام ليلاً من قبل الوحدات الخاصة تحت أي حجة كانت.

لم تصف علا تجربة الأسر الا بكلمة قهر،،

هذه الكلمة التي أخذت حيزاً في تفكيري، فأينا لا يعيش القهر يومياً في ظل احتلال صهيوني يعربد ويفعل ما يشاء في سبيل إبادتنا، علا عاشت القهر مراراً، في حواجز يومية، وفي منعها من الوصول الى القدس مثلاً، ولكنها وصفت التجربة بالقهر عن سبق إصرار، وكأنها لأول مرة تقولها، لأنها بالتأكيد رأت وعايشت ما لا يمكن السكوت عنه، من ممارسات صهيونية ضد أسيراتنا، واسرانا بالعموم، في محاولة منها لنقل معاناة أسيراتنا وايصال رسائلهن، بضرورة العمل على الافراج عنهن.

وفقاً لهذا، ما زلتُ لا أحتمل أن أرى اختاً لنا حبيسة أسر الاحتلال، لأني أدرك حجم فاجعتنا بها، ولأني أدرك ان هذا الاحتلال لا يرحم فينا طفلاً وليداً ولا أمّاً ولا طفلة ولا شيخاً كهلاً، نحن في نظره سواء، وجب قتلنا ونفينا عن وجه الأرض.

عندما تحدثتُ لعلا مهنئة إياها بالسلامة، مستفسرة عن أحوال أسيراتنا، كانت لهفتها في نقل رسائل الأسيرات كلهفة حمامة سلام زاجل تحاول نقل ما تستطيع حمله بروحها وذاكرتها الممتلئة، باشرتني بإيصال سلام الأسيرة الصحفية استبرق التميمي، صديقتي الروحية التي فرقتني عنها سجون الاحتلال منذ عام ونصف، لأتفاجئ بكمّ المشاعر التي حاولت علا نقلها عن استبرق وأسيرات أخريات، كيف لمثل فتياتنا أن يؤسرن، حقاً لن يأسروا في الورد عطر الياسمين، أُسرت عُلا وخرجت في عُلاً، أسرت استبرق وستخرج استبرقاً براقاً تواقاً للحرية دوماً، ولكل أسيرة من اسمها نصيب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.