ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عاشوراء، وانتصار الحسين

 

يوم عاشوراء، العاشر من شهر الله المحرم، يوم له ميزة جعلته أفضل من غيره، حتى كان أجر صيامه تكفير ذنوب سنة كاملة، كما في الحديث الصحيح.

وعندما هاجر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد يهودها يصومون هذا اليوم، فسأل عن سبب صيامهم له، فقالوا له: (هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ)، فأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين بصيامه، لأننا أولى بموسى صلى الله عليه وسلم، كما نحن أولى بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، وببقية أنبياء الله تعالى عليهم صلوات الله.

وقد ورد في بعض روايات الحديث أن تعظيم هذا اليوم لم يكن مقتصرًا على اليهود من أهل الكتاب، فقد وصف بأنه (يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى).

ولم يكن تعظيم يوم عاشوراء مقتصرًا على اليهود والنصارى، بل إن قريشًا وأهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصومه وهو في مكة، بل قد ورد في الحديث أن الكعبة كانت تستر في يوم عاشوراء، مما يعني أنهم خصوه بأن يتم وضع ستار الكعبة وكسوتها في هذا اليوم من كل سنة.

واشتراك أهل الجاهلية من قريش والعرب مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى في تعظيم هذا اليوم يوحي بأن هناك سببًا مشتركًا أقدم من نجاة موسى صلى الله عليه وسلم فقط جعلت لهذا اليوم ميزة، فالذي عند أهل الجاهلية من الأمور المتعلقة بالدين والتي أقرهم الإسلام عليها كان من بقايا دين الحنيفية الذي توارثوه عن أبيهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

ولعل ذلك يكون أنه قد جرت أحداث تاريخية مهمة في ذلك اليوم، وقد ورد ذكر بعض تلك الأحداث في روايات مشكلتها أن في سندها ضعفًا، وبعضها منقول عن علماء أهل الكتاب، ولذا لا نجزم بها، ولكنها يمكن أن تكون السبب وراء هذا التعظيم المشترك لهذا اليوم بين الأديان السماوية.

ومن تلك الأحداث التي ذُكِر أنها كانت في يوم عاشوراء: توبة الله أ على نبيه آدمصلى الله عليه وسلم، واستواء سفينة نوح على جبل الجوديّ، ومولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وتوبة الله– جل جلاله –على قوم يونس.

وكما أسلفنا فرغم أن أسانيد هذه الروايات ضعيفة إلا أن اشتراك الديانات السماوية في تعظيم هذا اليوم يشي بأن لبعضها أصلًا، والله أعلم.

وبعد الإسلام كان الحدث الأهم المرتبط بيوم عاشوراء هو استشهاد الحسين عليه السلام ومعه عددٌ من أهل بيت النبوة في معركة كربلاء.

لقد كانت الأحداث المرتبطة بيوم عاشوراء (كنجاة موسى، وإغراق فرعون، والتوبة على آدم، ورسو سفينة نوح، …) أحداثًا أسست لانتصار الحق على الباطل، وهنا يمكن أن يتم طرح تساؤل:

في كربلاء؛ هل انتصر الحق على الباطل، ونحن نعلم أن الأمة فيه فقدت سيد شباب أهل الجنة وثلةً من آل بيت النبوة، وانتهك الظالمون المفسدون في ذلك اليوم حرمة النبي صلى الله عليه وسلمواعتدوا على سبطه وحبيبه وسفكوا دمه؟ أم أن هذا الحدث كان مختلفًا عن تلك الأحداث التي احتفى بها أهل الديانات السابقة للإسلام؟

وكما كل الأمور الجدلية في هذه الدنيا، فإن جواب أي سؤال متعلق بالزاوية التي ينظر منها من سيجيب عليه.

ونحن إذا نظرنا إلى ما حققه الباطل وأهله من سفك دماء الصالحين من هذه الأمة، وإفشال مشروع تصحيح مسار الانحراف في الحكم الذي كان قد أصابها، فلا شكّ أننا سنرى أن الباطل حقق انتصرًا في هذه الجولة، وهو قد أحدث في وعي الأمة جرحًا ما يزال نازفًا نستشعر ألمه.

ولكننا إن نظرنا إلى المسألة من زوايا أخرى فسنجد ما يلي:

  • لقد كان خروج الحسين عليه السلام رسالة لكل دعاة الحق بوجوب الثورة على الظلم، وحرمة السكوت عليه، وكان من الضروري للأمة أن يكون هذا النموذج حاضرًا ليسلك المصلحون درب التغيير.

صحيح أن هذا الخروج شابَهُ خلل، ولكن الخلل لم يكن من الحسين نفسه، بل كان من الذين أرسلوا له بيعتهم فظنّ بهم الصدق والوفاء، ولكنهم باعوه عندما خيروا بين الدنيا والآخرة، واختاروا الدنيا الدنيّة الزائلة.

  • وكان ثبات الحسين –عليه السلام–ومن معه من الشهداء قبل المعركة وفي أثنائها انتصارًا للحق في نفوسهم على الباطل الذي يزين لكل واحد منا في مثل هذه الحالات التراجع والنكوص والرضا بالمذلة والخضوع للطغيان.
  • صحيح أن الحسين قد استشهد وسفك دمه، وأن الطغاة استمروا بعده يحكمون الأمة وينشرون ظلمهم، ولكن من الذي قال أن مثل هذه المعارك تنتهي في هذه الدنيا، ويظهر المنتصر فيها والمهزوم.

إن هناك جولات استمرت بعد يوم كربلاء، جولة منها في وعي الأمة وفكرها وعاطفتها، وهي جولة انتصر فيه الحسين ومن معه – بلا شكّ – فالأمة كلها تحبهم وتترحم عليهم وتترضى عنهم، بينما الفريق الآخر باء بالخسران وبغض الأمة له.

وجولة أخرى ستكون يوم الحساب، وهو يوم النصر الحقيقي للمنتصرين، والهزيمة الفعلية للخاسرين، ويومها يكون الحسين (سيد شباب أهل الجنة)، وكفى بذلك انتصارًا عند الله.

إن يوم عاشوراء كان ولا يزال، ويجب علينا أن نجعله، يوم انتصار المبادئ الحقة، يوم رفع الصوت بوجه الظلم والظالمين، يومًا نسير فيه على دروب أنبياء الله تعالى، ودروب السالكين سبلهم كالحسين ورفاقه عليهم من الله السلام والرضوان.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.