ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

اللاجئون.. الملف التائه تاريخياً

يصر الاحتلال ومن يدعمه وخاصة الأمريكان ومن يتبع لهما في المنطقة على عملية تضليل واسعة بشأن حق العودة وإنهاء ملف اللجوء الفلسطيني؛ فالكل مجمع على ضرورة أن ينتهي الملف حالا وأن تنتهي المعاناة، وكذا الشعب والمقاومة يريدون ذلك ولكن أي وجهة وأي الآليات يريدون.

إن الشعب والمقاومة والأحرار يريدون أن تنتهي المعاناة ويعود أهل صفد وحيفا ويافا لمدنهم وقراهم لتكتمل معادلة انتهاء ملف اللجوء بالعودة وانتهاء الألم، غير أن الاحتلال والأمريكان وأدواتهم يخططون لتصفية الملف بحجة إنهاء المعاناة وتسريع التخلص من هذه اللعنة،

وليس جديدا الاستهداف لملف اللاجئين فكان منذ البدايات محط طمس وتهميش وألم، ففي العراق وسوريا ولبنان اضطر عشرات الآلاف منهم لمغادرة المخيمات تارة تحت وطأة الحرب وتارة تحت وطأة التهميش والإذلال وأخرى للترغيب في وظائف ومشاغل في أوروبا وغيرها، ورغم إبادة مخيمات كاملة لم تبدأ بصبرا وشاتيلا ولم تنته بنهر البارد واليرموك ومخيمات غزة والقدس والعراق إلا أن الملف بقي متربعا في صدر القضية الفلسطينية؛ فلا تذكر النكبة إلا بهم ولا يشار للنكسة إلا بألمهم .

المخططات التي تقولبت في أوسلو كانت خطيرة جدا تجاوزت حدود المنطق الدولي الذي أقر عبر القرار 194 بضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم؛ إلى التنازل عن أراضي عام 1948 لصالح الاحتلال مقابل دويلة منزوعة السلاح لا سيادة فيها ولا حدود ولا موارد طبيعية قيل إنها “دولة فلسطين” وأطلق عليها دوليا “دولة قابلة للحياة”، وبهذه الاتفاقية اللعينة حاول الاحتلال تجاهل حق العودة كونه اكتسب الأرض التي يطالب اللاجئ بالعودة لها؛ اكتسبها عسكريا وأكد شرعيته عليها سياسيا باتفاقية أوسلو.

وصفع الشعب تلك المخططات وتعززت العودة وهوية الوطن؛ فعادت المقاومة تدك أرضا سلبها الاحتلال من الأجداد وباتت الحياة رعبا هناك في انتفاضة الأقصى، ثم جاء التخطيط التالي باتفاقيات وتفاهمات أنابوليس وشرم الشيخ وباريس وغيرها ليعاد للواجهة ملف تصفية حق العودة وليكون بالمرصاد لهذا المخطط الجيل المقاوم الذي لم يعدم الوسيلة لإيصال رسالة العودة لصفد؛ فباتت الصواريخ وطائرات الأبابيل تصور الأرض المسروقة وتدب الرعب في قلوب الاحتلال من جديد في عرش العنكبوت الواهي ليتداعى القريب والبعيد لحفظ أمنهم.

وتستمر المخططات ليبقى من أوسلو التنسيق الأمني فقط وينقل ملف التصفية لحق العودة إلى خارج الحدود وعقر المخيمات من خلال الحروب والتهميش وغيرها، ويبقى الشعب صابرا معززا العودة بكل أشكالها لأرضه فكانت مسيرات العودة الكبرى من كل الحدود ومن داخل غزة من جديد صفعة جديدة قديمة متعززة بإرادة الشعب وردة فعله على راعي أوسلو الذي أهدى القدس عاصمة أبدية للاحتلال ويجهز ليهودية الدولة، فباشروا بمخطط جديد من خلال التقليص المالي للأونروا وتهميش الملف على الساحة الدولية ليصبح الحق مهدورا حتى من قبل المؤسسة التي أوجدوها لتخدير أصحابه “الأمم المتحدة”.

إنه الوقت الضائع الذي تعبث به أمريكا ومعها الاحتلال وأذنابهم، فرغم كل البرامج والمخططات والترويض والتهويد والتهديد والإبادة الكاملة للرواية الفلسطينية في المحافل الرسمية إلا أن حق العودة بات يسطع أكثر مما مضى؛ فخرجت مئات آلاف الجماهير في غزة ولبنان والأردن وكل بقاع الشتات تقول “لا بديل عن حق العودة” وصفقة القرن التي يقررها الشعب هي أن يعود لصفد قبل رام الله.

موازين القوة والمتغيرات السياسية لم تعد في صالح الاحتلال فالقوة الميدانية للشعب الفلسطيني التي تجبر من احتل أرضه في حيفا ويافا على الدخول في الملاجئ ومنع التجوال باتت عنصرا مهما في أمل العودة؛ والمد الجماهيري الحاشد أعاد الروح وبقوة للحق والملف، كما أن دولا في الإقليم باتت تتبنى النظرية الفلسطينية وسئمت من مماطلة الاحتلال والأمريكان.

فكان التسريع في صفقة القرن هروبا أمريكياً وإسرائيلياً من استحقاقات دولية في القضية الفلسطينية ومحاولة استغلال فوضى السياسة والتيه القائم وبعض مخلفات أوسلو وفلولها علهم ينجزون تاريخا جديدا يفقد البوصلة اتجاهها.

خلقت المشاكل وتم الرهان على النسيان وارتبط البقاء بالغذاء والأمن بالاستسلام وأشاعوا الخوف والرهبة في قلوب الجموع في محاولة تثبيط وتركيع وترويض إعلامي ومالي صرفت عليه ميزانيات دول، فأوصل البالون الحارق والطائرة الورقية بأقل ثمن أعظم رسالة مفادها “العودة حق كالشمس”.

لذلك في ظل المقارنة التاريخية لمخططات الاحتلال للتخلص من كابوس العودة وإحداث بلبلة وصلت إلى قلب العواصم العربية للتخلص من هذا الملف إلا أن المقاومة كانت أملا والصمود الذي أظهره اللاجئون في كل مكان كان ضربة في العمق لهذه المخططات؛ والأهم هو فشل أوسلو واقتصارها على التنسيق الأمني وضعف المنظّر لها أمام قلة خبرته وعدم درايته وقصر نظره وصفعة الراعي المنحاز له وغرقه في المال السياسي جعل الشعب يرفض تلك التسوية التي تعني شطب حق العودة والتعويض عنه باستبدال الأراضي أو بناء مدن حديثة في سيناء والأردن لصالحهم، وهذا يعني أن المقاومة خيار وحيد أمام الشعب حتى لا يسجل عليه الهزيمة أو التراجع والتخاذل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.