ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

منظمة التحرير وثمار السلام

بعد مسيرة استمرت خمسة وعشرين عاماً فيما أطلق عليه المسيرة السلمية، والتي كانت قد خاضتها منظمة التحرير الفلسطينية، ها هي المنظمة تصل إلى حائط اسمنتيّ فولاذيّ من التعنت والخديعة الكبرى من قبل أمريكا الراعي الحصري لعملية السلام ومن الطرف الذي فاوضته المنظمة لجلب شيء من الحقوق المسلوبة. لم يكن في يوم من الأيام يتوقع قادة المنظمة أن تصل الطريق الذي كان وما زال خيارها وحيداً أوحداً لما وصل إليه الآن.

ما قامت به الإدارة الأمريكية وقرارات الرئيس الأهوج دونالد ترامببالأيام الأخيرة من إغلاق لمكتب منظمة التحرير، يعتبر ومن الناحية الدبلوماسية صفعة للطريق الذي رعته هذه الدولة فيما أسمته العملية السلمية، وهو من جانبٍ آخر وسيلة قاسية للعقاب قد تليها وسائل أخرى للمنظمة وقادتها، بهدف الضغط عليها للموافقة على الحلول الأمريكية التي استثنت القدس واللاجئين وغيرها من الملفات الحساسة وبذلك إبعادها من أي مفاوضات تسعى لإجرائها مجردةً من أهم ملفات الحلّ النهائي التي كانت شَرَكاً وقعت به المنظمة.

لقد كانت إرهاصات الفشل قديمة بعد خمس سنوات من توقيع اتفاق المبادئ في أوسلو، حيث نص الاتفاق على مفاوضات تبدأ بعد فترة قصيرة من التوقيع لبحث الملفات التي تمّ تأجيلها؛ الحدود والاستيطان والقدس والأسرى، عندها عاد الوفد الفلسطيني خالي الوفاض من كامب ديفد عام 2000م، وعلى إثر ذلك هبّت انتفاضة الأقصى لسنوات كانت نهايتها العودة لمسار التفاوض الذي بدأ جديّاً بعد الانتخابات الفلسطينية وتحديداً عقب الأحداث التي حسمت فيها حركة حماس السيطرة التامّة على قطاع غزة، فكان مؤتمر أنابوليس عام 2007م، والذي أسفر عن انطلاق مفاوضات الوضع النهائي التي بدورها وصلت إلى طريق مسدود بسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية على مواصلة الاستيطان.

لم تكن أمريكا في كل فترات رعايتها للمفاوضات راعياً نزيها، وقد كانت منحازة بوضوح، وتمارس ضغوطاتها على الطرف الأضعف، مستخدمة مالها الذي تدعم به ميزانية السلطة الفلسطينية ونفوذها على كل الأطراف التي من الممكن أن تؤثر سلباً على الجانب الفلسطيني، وها هي الآن توقف بصورة كلية دعمها المالي للسلطة وبإغلاقها لمكتب المنظمة تسحب اعترافها بهذه المنظمة التي قادت المفاوضات من الجانب الفلسطيني، هذا الاعتراف الذي قابله اعتراف المنظمة بإسرائيل كدولة على ما تمّ احتلاله من أراضٍ عام 1948م والتي تقدّر بحوالي78% من أرض فلسطين التاريخية.

كان على منظمة التحرير أن تقرأ الرسائل السلبية التي صاحبت طريق المفاوضات الطويلة، وكان عليها أن تضع الخطة “ب” في حال وصلت طريق المفاوضات إلى ما وصل إليه من فشل وعدم تحقيق أهدافه الوطنية، وكان عليها أن توسع دائرة المشورة لتصل كافة أطياف الشعب الفلسطيني لتتكئ على رصيدها الأساسي الذي به تخوض معركتها إن أرادت ذلك.

وأخيراً فالميدان الأكثر ضماناً للمنظمة ومن قبلها أو بعدها السلطة الفلسطينية، هو البدء فوراً بتطبيق بنود المصالحة وذهاب حكومة الدكتور رامي الحمد الله لغزة ورفع العقوبات المفروضة، ومن هناك يمكن القيام برأب الصدع والانقسام بالتوافق والشراكة السياسية مع الكل الفلسطيني لتتمكن المنظمة من الوقوف مجدداً ومن خلفها ثبات وصمود الشعب الفلسطيني بكل ألوانه وأطيافه السياسية.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.