ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مشروع الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية: الخلفيات والأهداف

مشروع الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية: الخلفيات والأهداف

تعتبر الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية واحدة من مقترحات الحل المطروحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي يتصاعد الحديث عنها بين الفينة والأخرى، وهو مشروع قديم وقد تم طرحه في السابق مرات عديدة. إذا كان الصراع فلسطينيا إسرائيليا، وهو كذلك! فإن مقترح الحل الكونفدرالي الأردني الفلسطيني يعتبر إشكاليا بامتياز، الأمر الذي يستدعي معالجة المسألة ذات الصلة الواضحة بطرف ثالث وهو الاحتلال الإسرائيلي. ما المقصود بالكونفدرالية؟ هي تعني ببساطة أن تتفق دولتان أو أكثر على تبني سياسة مشتركة في المجالات المهمة كالدفاع والعلاقات الخارجية والاقتصاد والسياسات، ودون أن تفقد أي دولة سيادتها، أو جزء من هويتها الوطنية الخاصة. في ضوء ما تقدم، ماذا تعني الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

من الواضح أن الاحتلال الإسرائيلي قد عمد تاريخيا لإزاحة الشعب الفلسطيني عن المشهد السياسي، ذلك لأن الفلسطيني يمثل النقيض الأبرز والأوضح للمشروع الصهيوني الهادف لابتلاع المنطقة برمتها، ولكون الرواية الفلسطينية للصراع هي التي تكذب الرواية الإسرائيلية، وتفندها وتكشف عوارها، ولأن الحضور الفلسطيني هو المانع لتجذر واستدامة الحضور الاستعماري الصهيوني. لقد طور الشعب الفلسطيني بناء شخصية اعتبارية راسخة تكتسب دلالتها وقيمتها من خلال الوقوف ندا حقيقيا للاحتلال، والرباط على خط الدفاع الأول عن الأرض محل الصراع. يتضح وفقا لما تقدم أنه لا يمكن للمشروع الصهيوني أن يحقق أهدافه النهائية طالما أن الشعب الفلسطيني بشخصيته المشار إليها شاخصا في المشهد، ولذلك يصبح تهميشه وقتل حضوره يمثل هدفا أسمى بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي.

برزت التوجهات الهادفة لتجاوز الشعب الفلسطيني بوضوح منذ تقديم تصورات الحل الإسرائيلية الأولى بعيد انتهاء حرب عام 1967، نظرا لما يضفيه الحضور الفلسطيني على الصراع من معاني، فيستبين على حقيقته صراعا صفريا وجوديا، وهي القاعدة التي ما انفك الاحتلال ينطلق منها وهو يتعامل مع الشعب الفلسطيني، ولم يتحول عنها على الرغم من تدشين خيار التفاوض منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمن. وقد ركزت الأطروحات الإسرائيلية على مسألتين اثنتين.

أولا: ضرورة تغييب واستبعاد الفلسطيني الذي يشكل نقيضا جذريا للاحتلال، وبذلك تتأكد الدعاية الصهيونية التي تروج لمقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. ثانيا: ألا يستند الحل للقواعد والأسس المتفق عليها دوليا على الرغم من عدم كفاية تلك الأسس من المنظور الفلسطيني. ولذلك فإن أي مقترحات للحل تحقق ذينك الهدفين لا تعدو كونها مقترحات مراوغة وليست حقيقية، لأنها تعبر عن تصورات ورغبات الاحتلال ليس إلا.

إن مشروع الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية المطروح يمثل واحدة من الخيارات التي يمكن من خلالها الوصول إلى هدف تغييب الشخصية الفلسطينية، وبذلك يكتسب الاحتلال الإسرائيلي فرصة جديدة ومضاعفة للبقاء. ويتأكد ذلك عند العلم بأن الفلسطينيين كمجموعة من الناس هم من ستشملهم الكونفدرالية المقترحة، فيما ستظل أرضهم تحت الهيمنة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

إذا كانت إسرائيل والأطراف الدولية الداعمة لها راغبة بكونفدرالية أردنية فلسطينية، (على الرغم من سعيها الدؤوب لتجزيء العرب وتفتيتهم) فليكن ذلك وفقا للأسس التي يقتضيها مفهوم الكونفدرالية، وهذا يستلزم أن يقيم الفلسطينيون دولتهم المستقلة بإرادتهم الحرة أولا، ثم لتكن كونفدرالية بعدئذ على أسس تحددها المصلحة الأردنية الفلسطينية المشتركة، ودون الأخذ بعين الاعتبار أية معطيات أخرى، أو رغبات لأطراف خارجية، لكن الحديث عن كونفدرالية في الوقت التي تقتل فيه إسرائيل إمكانية قيام دولة فلسطينية على جزء من الأرض الفلسطينية فحسب، يعني أن المقصود بالكونفدرالية أن يخرج الفلسطينيون من تحت هيمنة الاحتلال الإسرائيلي، للدخول تحت هيمنة النظام العربي. وذلك، لقطع الطريق على تجسيد الشخصية الفلسطينية – النقيض للاحتلال الإسرائيلي – في كيانية حرة مستقلة.

إن الدفع باتجاه قيام كونفدرالية بين الأردن وهي دولة مكتملة الأركان من جهة، وجزء من الشعب الفلسطيني لا كله (سكان الضفة الغربية ودون القدس) من جهة أخرى، يعني أن تتولى الدولة شؤون هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، وتقوم برسم سياساته المصيرية وتحديد مستقبله، ولا يمكن وفقا لمعادلة (كونفدرالية الدولة وجزء من شعب آخر) أن يمارس الطرف الأخير دورا عكسيا، أو أن يقرر بمفرده لشأنه الخاص. من ناحية أخرى فإن مشروعا كهذا سيسهم بشكل واضح في تجزيء الشعب الفلسطيني وتفتيته، وتأبيد الانقسام السياسي والجغرافي القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

إن قيام كونفدرالية أردنية فلسطينية لا يعني انتهاء المعضلة الفلسطينية، وإنما يستدعي تشكيل حالة تتهيأ فيها كل الأسباب لقيام صراع أردني فلسطيني على النفوذ والسلطة في الكيان الجديد، طالما أن أصابع اليهود ليست بعيدة عن الساحة. وهي أهداف تؤكد على الرغبة في إعفاء الاحتلال من تكاليف المواجهة مع الشعب الفلسطيني، وصرف طاقات الأخير باتجاهات أخرى، توسلا لسلامة رأس الاحتلال ومكتسباته.

يراد للكونفدرالية بالصيغة التي تُطرح بها أن تشكل بديلا عن تحرير الفلسطينيين لأرضهم، وإقامة دولتهم المستقلة من منظور الاحتلال، وهي صيغة تتضمن التفافا واضحا على أسباب وجذور الصراع التي ينبغي معالجتها مباشرة، وتغاضيا عن حقوق الشعب الفلسطيني الراسخة. يتجدد الحديث عن الكونفدرالية في سياق أو بالتزامن مع الحديث عن صفقة القرن سيئة السمعة، وهو مسار يستهدف القضية الفلسطينية جذريا، ولن يكون بحال واحدا من خيارات حل الصراع الممكنة.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.