ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

هجرة المصطفى الأمين

 

وَلتعلم يا قارئ الكلمات..  يا مُطالِع العِبَارات..

أنَّ في أمر ربِّ السماء لحكمًا وعِبرا.. فكن لبيبًا واجذبها نحوك.. طبقها واجعلها أسلوب حياةٍ جديدة..
اجعل من الهجرةِ وأحداثها دروسًا لقلبك وجوارحك..
لفظ “هجرة” : ليس مجرد انتقالٍ من بلدٍ إلى أخر، لكن ذاك اللفظ حَمَل في طيَّاته معانٍ أخرى، كادت أن تخفى أمامكَ..
هاجر مِن معصيةِ الله إلى طاعته، هاجر ظلام غضب الله إلى نور رضاه ومحبته…
هاجر تلك الشهوات والمنكرات ومجالسها.. إلى مَن يجعل ذاك القلب وتلك الروح معلقةً بطاعة الله ورسوله..
هاجر أقوالك واجعلها أفعالا.. هاجر أحاديث قلبك الضاغنة واجعلها أحاديث محبةٍ وإحسان..
لنفسكَ ولِمَن حولك..
تالله إنَّها هجرةً من ضيق الدنيا الفانية.. إلى سعة الآخرة الباقية..
ولتعلم أن طريق الدعوة لله شاقٌ محفوفٌ بالمكاره والأذى.. لكنَّ!!!
مَن صَبَر ظَفَر.. ومَن ثَبَت انتصر …
قال تعالى: }إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]
أتذكر رسول الله والسيوف التي تحاصره وليس بينه وبينها سوى الباب؟!
أتذكر المطاردون الذين يقفون أمام الغار؟! أتذكر سُراقة الفارس الـمُدجج بالسلاح؟!
مغامرة  تملؤها مُخاطرة تطير لها الرؤوس.. لكن!!
كانَ نبي الأمَّة ورسولها واثقًا بالله معتصمًا به..
فكُن دائمًا متوكلًا على الله، معتصمًا بحبله الحَصين الوَثيق..
واثقًا مِن نصر الله لك.. لا تضركَ اشتداد الكُربات وَ ادلـِهام الخُطُوب..
فمعجزاتِ الله لِرسولنا في تلكَ الحادثة تأييدًا ونُصرةً له..
فهل رأيت رجلًا أعزلًا محاصرًا يخرج إلى عدوه ويخترق صفِّه ولا يراه؟!

هل رأيتَ مخلوقًا ضعيفًا ينسجُ خيوطه في ساعاتٍ معدودة؟!
هل رأيت فرسًا تسير على أرض صلبة فتسيخ قدماها في الرمال وكأنما تسير في طين؟!
هل رأيت شاةً عجفاء هزيلة لا لبن بها، تتفجَّر عروقها باللبن للحظة فيرتوي بها من يشاء الله؟!
ألا والله إنَّها قدرة الله تعالى، إذا أراد نصر المؤمنين خرق القوانين الكونية، وقلب موازينها ..
قال تعالى: }إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{]يس:82[
أتعلمون ما هو الحب؟!
الحب هو مَن جعل أبا بكرٍ يبكي بصحبة المصطفى الأمين…
الحب هو الذي جعل أبا بكرٍ يقام سريان السمِّ في جسده حين لُدغ في الغار، خوفًا من استيقاظ الحبيب النائم في حجره..
الحب هو الذي جعل أبا بكرٍ يُؤثر كل ماله للحبيب محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه وأهله..
الحب هو الذي جعل أنصار المدينة يخرجون كل يومٍ في أشد الأيام حرارةً ينتظرون قُدوم نبيّ الأمَّة على أحرّ مَن الجمر..
فأين أنتَ مِن هذا الحب ؟!
أين أنتَ من ذلك يا مدَّعي حبِّ الرسولِ وتَزعم حُبِّه وتُخالفَ أمرَه؟!
يا مُدَّعِي حُبَّ طهَ لا تُخَالِفْهُ *** فالخُلْفُ يَحْرُمُ فِي دِينِ الْمُحِبِّينَا
تعصي الرسولَ وأنت تزعُمُ حُبَّهُ *** هذا لَعَمْرِي فِي القِياسِ شنيعُ
لـو كـان حُبُّكَ صادقاً لأطَعْتَهُ *** إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

عليٌ نائمٌ بفراش الحبيب.. يعلم أن سيوف الحاقدين تريد ضرب صاحب ذاكَ الفراش
آل أبي بكرٍ عائشة وأسماء وعبد الله .. وكذلك مولاه عُمير .. خطئًا واحدًا قد يُنهي حياتهم..
هذا هو حال شباب صحابة رسول الله رضوان الله عليهم… فأين اليوم شبابنا؟!
ماذا يفعلون؟! فبين نومة علي وبين نوم شبابنا اليوم عن الصلاة وعن أداء واجبهم شتَّان..
فكن لدين الله فداءً وتضحيةً .. وانصره بنفسكَ ومالُك.. واغتنم بذلك أجرًا ونورًا..

فهذا الرسول ليس بالمتواكل المتهاون بل اتخذ الأسباب وخطط، أحكم خطته بسرٍّ وإتقان…
فالقائد: محمد ، والمساعد: أبو بكرٍ ، والفدائي: علي، والتموين: أسماء، والاستخبارات: عبدالله، والتغطية وتعمية العدو: عامر، ودليل الرحلة: عبدالله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي .

وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم، وفيه دعوةٌ للأمَّة إلى أن تحذو حذوه في حُسنِ التخطيط والتدبير، وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب، مع الاعتماد على الله مُسببِ الأسباب أولًا وآخرًا…

وأخيرًا..
اجعل من تاريخ الهجرةٍ ضحىً جديد..
لأعوامٍ مليئةً بالخير والعطاء.. بالصبّر والإحسان..
لِتنعمَ بجنَّات خُلدٍ.. عندَ حكيم عليم..

وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وزد وبارك على سيدنا ومولانا محمَّد وعلى آل بيتهِ وصحبهِ الطيبين الطاهرين

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.