ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

“إيهاب أبو سليم”.. صائد جنود الاحتلال في صرفند

“إيهاب أبو سليم”.. صائد جنود الاحتلال في صرفند

مساء التاسع من أيلول/ سبتمبر عام 2003، دوي انفجار يهز “صرفند” قرب مدينة الرملة المحتلة، مركبات إسعاف وشرطة تهرع للمكان، تطويق الموقع، الإعلان عن عملية استشهادية استهدفت حافلة كانت تستعد لكي تقل جنود الاحتلال الإسرائيلي من أمام معسكر صرفند.

المعلومات الأولية تُشير لتفجير فلسطيني نفسه قرب الحافلة والحصيلة الأولية 5 قتلى وعشرات الإصابات؛ قبل أن يبدأ العدد بالارتفاع ليصل إلى 10 قتلى من جنود الاحتلال، آخرهم مُجندة قتلت في تشرين ثاني/ نوفمبر 2003، متأثرة بجراح أصيبت بها في العملية، بالإضافة لـ 40 جريحًا عسكريًا وفق اعتراف سلطات الاحتلال.

كانت تلك عملية الفدائي، الصغير عمرًا الكبير قدرًا، إيهاب عبد القادر محمود أبو سليم، ذو الـ 19 عامًا؛ من قرية رنتيس غربي مدينة رام الله، والذي كان يدخل إلى الداخل الفلسطيني المحتل مشيًا على الأقدام عبر حدود رنتيس التي تتشاركها مع بعض مدن الداخل المحتلة، بغرض العمل ومساعدة عائلته.

ولد إيهاب في العاشر من حزيران/ يونيو عام 1984، لعائلة ميسورة الحال (إن جاز التعبير)، سكنت بجوار مسجد القرية في رنتيس، ما أدى لصقل شخصية نجلها وتنمية الروح الوطنية فيه.. وأتم دراسته الأساسية والثانوية فيها، وتخرج من مدرسة رنتيس الثانوية قبل أن يلتحق إيهاب بكلية الآداب في جامعة بيرزيت عام 2002.

اشتهر شهيدنا بلقب “راهب الليل وفارس الانتقام”، لما كان يُؤدي من عبادة ويقرأ القرآن في الليل وكان لا يُفارق أي عمل جهادي دعوي في سبيل الله وفلسطين في نهار يومه.. بالإضافة لـ “روح القرآن” التي امتلكها والعقيدة الراسخة التي كانت تحتل صدره وحب الشهادة التي كانت ومنذ نعومة أظفاره حلمه الأوحد ودعائه الذي طالما سأل الجميع أن يدعو له به، كل ذلك نبت في قلبه وفكره دومًا، وما كان السجن إلا ليزيده رسوخًا ويقويه فكرًا ويعمقها حبًا.

نفذ عمليته الاستشهادية على طريق ذات الشوكة التي سار بها القادة الشهداء؛ إسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة ومن سبقهم ومن لحق بهم.. انتقم “أبو البراء الرنتيسي”، كما كان يطيب له تسمية نفسه، لمحاولة اغتيال الاحتلال الإسرائيلي للشيخ أحمد ياسين (اغتاله الاحتلال فجر الـ 22 من آذار/ مارس عام 2004)، وكان على موعد مع رفيق دربه، رامز أبو سليم، والذي فجّر هو الآخر نفسه في مقهى “إسرائيلي” بمدينة القدس المحتلة وقتل 7 صهاينة.

درس إيهاب في كلية الآداب بجامعة بيرزيت عامًا واحدًا فقط، تعرض في بدايته للاعتقال لدى الاحتلال (اعتقل في يناير/ كانون ثاني 2003) وصدر بحقه حكمًا بالاعتقال الإداري مدة 3 شهور.. خرج بعدها ليُكمل مسيرته التعليمية والأكاديمية عازمًا دراسة الصحافة والإعلام في بيرزيت.. كانت له أمنيات وأحلام كبقية أبناء جيله من فتية وشبان فلسطين، رسم أحلامًا ووضع الخطط المتقنة لإتمامها.

كان لا يُعبر عن غضبه بـ “الصراخ”، هادئًا تعلو وجهه ابتسامة دائمة، عشق وطنه وعمل لأجل دعوة الله.. كنّا نراه يتقدم الصفوف في كل مواجهة مع الاحتلال، يذود بنفسه عن إخوانه، متواضع مرح.

احتجزت سلطات الاحتلال جثمان الاستشهادي البطل “أبو البراء الرنتيسي” منذ استشهاده عام 2003 وحتى تاريخ 31 أيار/ مايو 2012؛ قبل أن يعود إلى رنتيس محمولًا على الاكتاف بعد أن خرج منها إلى الجنة إن شاء الله صبيحة التاسع من أيلول 2003.

الحياة تستقبلنا بـ “بكاء” وفرح، ولكني أكاد أجزم أنها تستقبل الأطفال الذين قُدّرَ لهم وكتب في سجلاتهم أن يكونوا من الشهداء بفرح وفرح، لأنها تعلم أنهم مغادرون بـ “عرس” وطني.. والشهداء وحدهم من يعلمون معنى الحياة؛ هم يُضحون بأنفسهم وأرواحهم رخيصة في سبيل الله والوطن لكي يحيا من بعدهم من الناس في شيء من الكرامة قبل أن يُكتب لنا تحرير كامل للأرض التي تخضبت يوميًا بدماء زكية طاهرة تنزف من أجساد رأى أصحابها أن الكرامة هي الحياة والحياة بلا كرامة لا معنى لها.

وأضاف شهيدنا “إيهاب” في وصيته، قائلًا: “لا تسقني ماء الحياة بذلة.. بل اسقني بالعز كأس الحنظل”.

وقد خطّ بقلمه وصدّقه بدمه: “أنا الشهيد الحي إيهاب عبد القادر محمود أبو سليم أقدم نفسي رخيصة في سبيل الله ولرفع راية الإسلام، وثأرًا لإخواننا الشهداء الذين سبقونا بالشهادة أمثال القائد المهندس إسماعيل أبو شنب والمجاهد البطل نصار أبو سليم والمجاهدين والشهداء الأبطال الآخرين، فنحن نقول لن نعيش أذلاء ولا نريد حياة ذليلة بل نريدها حياة عزيزة كريمة رسمت بلون الدم وأرواح الشهداء”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.