ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

نُسوة الحصار والفقدان

نسوة الحصار والفقدان مجموعة من النسوة، يتشحن السواد من الخارج، ويتشحهن من الداخل.. آلامهن تتشابه كما يتشابه الحصار المفروض عليهن، جمعتهن الأقدار والآمال والآلام والدموع والرغبة في الاستمرار في ذات الوقت..

كنَّ يلتقين كلما انضم للركب شهيد أو أسير، فيضممن زوجه إليهن.. يؤازرنها، ويعنِّها لتجتاز صدمة الفقدان بأقل الخسائر، علها تأنس بوجودهن فتتابع الدرب الوعر الذي اختارها واختارهن بإصرار بالرغم منهن وبغير إرادتهن.

لكل واحدة منهن حكايتها الخاصة بها، الفريدة في دقائق تفاصيلها، المتشابهة جداً في خطوطها العريضة والعموميات.

وبرغم من أن التشابه قد يكون كبير في أغلب الأحيان، إلا أن لكل منهن كينونتها الفريدة التي لن تجد لها مثيل في هذا العالم.

هي أم لخمسة أطفال، أكبرهم في الثانية عشر من عمره، وأصغرهم على أبواب المدرسة.. رحل عنها زوجها بصاروخ غادر مزق جسده وأحاله أشلاء جمعوها في كيس بلاستيكي أسود لتوارى الثرى، خلَّفها رفيق دربها ورائه دون معين..

هي ما زالت فتيِّة في الثلاثين من عمرها، أجرة بيت تقض مضجعها، ومصروف أسرة يربكها، ومسؤولية أطفال في المدرسة أكبرهم بحاجة للكثير من الرعاية والعناية ليبلغ مبلغ الرجال، فما بالك بأصغرهم؟ فكيف تتدبر أمرها؟؟. تقول لها بعض النسوة: أخرجي ابنك لسوق العمل.. فليتحمل مسؤولية الأسرة.. أليس هو رجل صغير؟ لا.. ابني سيكمل مدرسته ويحدد مستقبله كما يرغب.. لن أحمِّله مسؤولية استشهاد والده.. أنا من ستخرج للعمل وتنفق على أسرتها.. لن أسلب صغاري طفولتهم وحقهم فقط لأن والدهم استشهد دونهم. وزوجة شهيد أخرى ما زالت يافعة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، جنينها يتململ في أحشائها، كانت تحلم بغد براق فائق الجمال، وتنتظر ما يحمله في ثناياه من وعود وردية بسعادة باذخة وفرح واعد.. اصطدمت بالواقع على حين غرة.. ولم تكن قد أعدَّت نفسها لرؤيته بعد..

مكالمة هاتفية قصيرة قلبت حياتها رأساً على عقب، برغم قلة الكلمات التي احتوتها إلا أنها نقلتها إلى مجاهل العالم الذي لم تعي عن وجوده شيئاً: – محمد.. استشهد يا نور.. الله يعوض عليكم عوض خير.. هنيئاً له الجنة.. اصبري ولك الأجر. أما أماني.. تلك الجميلة التي تنضح شباباً وحيوية فلها مع الوجع لقاءات ومحطات..

آه لك يا أماني من الستار الأسود الذي لم تستطيعي إزاحته عن قلبك ومن أمام عينيك.. فأنت ما زلت على العهد.. رفضتِ الزواج من آخر برغم ضغط المجتمع عليك، لماذا يا أماني؟؟ أليس سترة المرأة في بيت زوجها؟ زوجك قد استشهد.. فماذا ستفعلين أنت؟ هل ستدفنين نفسك وراءه؟ هل ستعيشين حياتك من أجل ابنتك التي ستكبر وتتزوج وتتركك وحيدة؟.. لو كانت ذكراً لوافقناك على رأيك.. أنت الآن قوية الجسد وغداً ستضعفين، وتصبحين بحاجة لمن يمد يد العون لك.. إن لنفسك عليك حق.. فهل ستعيشين بقية عمرك حياة ناسك معتكف داخل صومعته؟ استيقظي من فجيعتك قبل فوات الأوان فالأيام تتسرب من بين يديك بلا وجل كما يتسرب الماء بين حبات الرمل.

وآه لك يا أماني.. وآه لعشقك العنيد لفارسك الذي رحل عنك دون أن يشفق على قلبك الرقيق.. عشق لا ينضب وكأنه عين فوارة تستمد مائها من محيط متجدد.. فلم تعترفي بالفقدان موسماً للخضوع والاستسلام لواقع مرّ فرض نفسه عليك. ومريم تشاطر الأخريات حزنهن برغم بعض الاختلافات.. فرفيق دربها يقضي مؤبدات يزيد عددها عن عدد سنوات عمره مدفون على قيد الحياة خلف القضبان ووراء جدران رطبة لا تراها الشمس تحول بينها وبين حبيب قلبها ووالد أبنائها.. تحرمها وأبنائها من حبه وحنانه ورؤيته.

آه لكنَّ يا نساء الحصار والفقدان.. أزحتنَّ أنوثتكن جانباً، واتخذتن من الرجولة دثار.. أودعتن أحبتكن الثرى وأكملتن الدرب الوعر وحيدات متحديات.. هنيئاً لفلسطين بكن.. وهنيئاً لرجالها بنساء مثلكن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.