ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

حكاية الغياب القسري..والشوق المحاصر..

أفنان..ابنة الأسيرة صفاء أبو اسنينة..تروي الحكايا

“انا كمان نفسي ماما تكون معي كل يوم .. تصحيني وتقلي قومي افطري قبل ما تطلعي على الجامعة يا افنان .. نفسي ارجع الاقي امي بتستناني واحكيلها كل شي صار معي بيومي وتضحك عليي وتقلي كلمتها المشهورة “انا مخلفة هبلة” ..

بس هاي الهبلة يا ماما تعبت بدونك ..

حسيت اديش انت كنت حاملة مسؤولية واديش انا بدونك ولا اشي واديش انا بحاجتك !

انا نفسي هلا تكوني جنبي احط راسي ع كتفك لحتى كل التعب اللي بقلبي يروح ..

انا قوية يا امي بس مش بقوتك ..بضل بنتك المدللة .. بضل بدي ياك بكل لحظة .. حتى اشتقت اتصل عليك وانت بشغلك كل شوي وانكش عليك وتحكيلي خلص ما تضلي تتصلي زهقتيني ..

طب تعالي انت بس وبوعدك ما قلك لا لما تطلبي مني اجلي واعمل البيت انا بعمل كل شي بس خليك جنبي ما تروحي وتتركيني ..

انا آسفة لاني ما كنت احكيلك اني بحبك اكتر من اي حد بالعالم ..”

هذا ما كتبته أفنان ابنة الأسيرة صفاء أبو اسنينة على صفحتها الفيس بوك صباح أول أيام دوامها الجامعي، في الفترة الأخيرة عاشت أفنان تجربةً ما كان لها أن تتخيل يوماً ما أن تعيشها، اعتقلت والدتها فيما هي تنتظر نتائج الثانوية العامة، وخرجت نتيجتها بامتياز مبهر في غياب والدتها، وها هي تخطو أولى خطواتها نحو التعليم الجامعي دون الوجه الذي تحب، والقلب الذي يحن.

ورغم كل الألم..لم تمتنع أفنان عن الإجابة عن أسئلة أشراقات، وكشفت جانباً لطيفاً من علاقتها بوالدتها، وتأثير هذه المحنة عليهم كعائلة..

– هل تعتقدين أن علاقة الصداقة العميقة بينك وبين والدتك ساعدتك على دعم بقية أفراد عائلتك ورفع معنوياتهم أثناء اعتقالها؟

أمي .. لم تكن أما فقط ..كانت صديقتي واختي الكبرى .. حبيبة قلبي وحافظة اسراري .. ربما كان السر في قوتي حين اعتقالها مستمدة من قوتها ..فكانت تبتسم وهي تودعنا وتلقي علينا كلمات الصبر والاحتساب .. فكان لزاما عليّ أن أكون قوية كما وعدتها ..

– حدثينا عن تفاصيل عملية الاعتقال، الساعة، آلية الدخول، تعامل الجنود، رد فعل سكان المنزل؟ ..

في الساعة 1:13 تماما ..بغت علينا أنياب الظلم نهشت فرحتنا ثم مضت.. لم يكن قد مضى على دخولنا البيت انا واخوتي بصحبة والدي الذي كان في مسابقة اكثر من نصف ساعة .. وكنا قبيل عودتنا نسأل امي إذا كانت تريد شيئا ..فطلبت ليلتها “آيس كوفي” .. جلسنا جميعا عند التلفاز لمشاهدة فيلم جديد ..نتجاذب أطراف الحديث ونضحك على مواقف مرت معنا ليلتها .. فما لبثنا بضع من الدقائق حتى سمعنا طرقا عاليا على الباب ..شبهته بزلزال لا بطرق ! قمنا مذعورين نتخبط .

فُتح الباب فرأينا عشرات من الجنود يدخلون بنهم ! سألهم أبي اذا كانوا قد أتوا للتفتيش كالزيارات الأخيرة ..بأجاب الضابط “تفتيش وكمان شغلة” ..أما أنا فحضنت أمي بقوة مرددة “ماما حبيبتي مش راح يصير إشي تخافيش” كنت أصبر نفسي حينها !

وضعونا جميعا في غرفة واحدة إلا أمي .. جاءت مجندات اخذنها للغرفة الأخرى بحجة التفتيش ..لم يكن يخطر ببالي لحظة أن أرى أمي بذاك المظهر حينها !

فعندما فتح باب الغرفة سمعت صوت امي يناديني تطلب أن اعطيها حقيبتي ..ظننت أنها للتفتيش أيضا ! ذهبت لأعطيها فصعقت ..

كأن الدنيا حولي وقفت للحظات ساكنه إلا من صراخ داخلي ..كانت أمي تلبس حجابها كاملا ..سألتها إلى أين ؟؟

فأجابت والبسمة ترافق وجهها بأنها ذاهبة معهم .. لحظات حتى استوعب عقلي تلك الصفعة .. تذهبين !

وانا ؟ وفرحة التوجيهي ؟ اتتركينني أمي ؟ اتعلمين أن ليس لي في هذه الدنيا سواك ؟ ماذا أفعل بدونك وكيف لي أن استيقظ كل يوم بدون صوتك يناديني .. اتذهبين حقا ؟

حضنتها بقوة وبدموع أشبه بدماء حارقة .. وصوت أبي خلفنا يصرخ بقوة ..

“بدكم تاخدوها يوم ! خدوني سنة ..بدكم تاخدوها شهر خدوني عندكوا عشر سنين بس خلوها هون” ..

ودعتنا جميعا بقلوب انفطرت من تلك اللحظات .. لم تشفع لنا دموعنا ولا نحيبنا أمامهم .. اخذوا فرحتنا ومضوا ..

واليوم تكمل أكثر من شهرين ونيف في سجون الظلم .. لكل تجربة تفاصيلها المختلفة، حينما ستعود صفاء إلى بيتها بإذن الله سيكون لها تجربة مختلفة في الأسر عن تلك التجارب التي قرأت عنها، كيف صقلت هذه المحنة رؤيتك في الحياة؟ وإلى أي درجة شعرت أنك وعائلتك أقوياء أو مغمورين بالحزن في غياب صفاء؟

في هذه المحنة ..فانا أوقن وأثق تمام الثقة بأنها لخير .. يكفي علمي بأنها من عند الله تعالى لاطمئن ..فالله لا يكتب الا الخير لعباده ..حتى وإن جهلنا الحكمة في الأمر الصعب ..لكن قلوبنا راضية وجُل كلامنا أن الحمد لله رب العالمين.. وارجو من الله أن يكون هذا الابتلاء حبا لا عقوبة ..وان يكون سببا لدخولنا أعلى الجنان ..

بقلوب صابرة محتسبه نستودع أمي فقد تبرأنا من حولنا وقوتنا إلى حول الله وقوته .. نحن أقوياء باذن الله .. لكن لا بدّ من لحظات قليلة من الضعف ..في النهاية نحن بشر بقلوب تشعر وتشتاق ..

-ما شعورك عندما رأيت والدك يبكي على غياب والدتك؟

حينما رأيت والدي يبكي أمامي .. أيقنت فعلا معنى قهر الرجال ولماذا تعوذ الرسول منه .. قهر ما بعده قهر .. كنت اود لو أستطيع عمل أي شيء لأغير دمعته إلى بسمة ..فلم أجد إلا بعض الكلمات التي ربما لن تغير شيئا أمام كل هذا الحزن ..

-ما أكثر ما تفتقدينه في والدتك؟

أفتقد كل شيء .. فهي روح البيت والان بيتنا خال من اي روح وأية بسمة .. أفتقد وجهها الضاحك ..افتقد جلساتنا سويا .. افتقد الفرحة التي كانت سببها .. والحمد لله فيما كتب لنا .. ونسأله اللطف فيما جرت به المقادير..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.