ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

هل ترجع اللغات إلى أصل واحد أم لأصول متعددة؟

بحث: عبد الرحمن نجم

لو سئل أحد علماء اللُّغويات: “هل تعتقد أن كل اللغات في العالم ترجع إلى أصل واحد، أم إن الأسر اللغوية قد نشأت إحداها عن الأخرى في بقاع مختلفة من العالم؟” فإنه إما سيرفض الإجابة؛ خوفاً من أن يُناقض نفسه، وإما أن يُحيلك إلى زملائه العلماء المتخصصين في علم الأجناس.

وقد نظن للوهلة الأولى أن هذا يعتبر هروباً يدعو إلى السخرية من جانب اللُّغويين، بيد أن الواقع هو أن مشكلة نشأة اللغات وأصلها ترتبط ارتباطاً تاماً بنشأة الإنسان وأصله، فإذا كان الإنسان قد نشأ في مكان واحد، ثم تفرق الأفراد والجماعات بعد ذلك في اتجاهات مختلفة، صارت أصولاً للأجناس البشرية الكثيرة الموجودة الآن؛ فمن المنطقي أن نفترض أن هجرة بني الإنسان وتنوع أجناسهم قد صاحبها تنوع في فروع الأُسر اللغوية (الهندوأوروبية، السامي- الحامية، الأورا- ألطية، الصيني-تبتية، الدرافيدية، اليابان- كورية، والملايو بولينيزية، البانتو) التي ترجع كلها إلى أصل واحد وهبه الله للإنسان.

ولو افترضنا أن الأجناس البشرية قد نشأت أول ما نشأت في مناطق متعددة، تحتفظ كل منطقة منها بصفاتها المتميزة؛ فمن المنطقي أن نفترض أن كل جماعة قد طورت لغتها كُلاً على حدى بطريقة مستقلة عن اللغات الأخرى، ثم ما كان يحدث بعد ذلك من اتصال بين هذه الجماعات قد أدى إلى اقتباس بعض الكلمات والعبارات.

على أنَّ العلماءَ نَزَلَت إبان القرن التاسع عشر عند الرأي الذي يُنادي بتعدد أصول اللغات؛ لافتقارهم إلى الأدلة التي تُعارض هذا الرأي، إلا أن عالم اللغات ترومبيتي قد عارض هذا الرأي بشدة في كتابه الأول “أصل واحد لكل اللغات” عام 1905، وفي كتابه الثاني “مبادئ تعدد اللغات” عام 1923، وتَحَيَّز للرأي الذي يُنادي بأصل واحد لكل اللغات.

على أن معنى تقسيم اللغات إلى أُسَر، هو أن نضم للأسرة الواحدة كُلَّ اللغات التي تَدل الشواهد على انتمائها إلى أصل واحد.

وقد ثبت تاريخياً بقرائن عديدة لا تقبل الشك، أن هناك أمثلةً على أن اللغة تتأثر بعقلية الجماهير والبيئة التي نشأت فيها، خاصة فيما يتعلق بالمفردات اللُّغوية.

ولو كان الهندي الأحمر الهوبي يصف الكون بطريقة تختلف عن الرجل الأبيض، فليس معنى ذلك أن لُغته هي التي تُرغمه على ذلك، وإنما معناه أن خبرة الهندي الأحمر تختلف عن خبرة الرجل الأبيض في الحياة؛ إذ اللغة والفكر مرآتان لعالم الخبرة الذي نَمُرُّ به، ولكن الخبرة التي نَمُرُّ بها لا سيطرة للغة والفكر عليها في الأغلب الأعم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.