ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

همسات من ذاكرة الموت

2013/8/21
يقرع ناقوس ذاكرتي الباطني بشدة رهيبة، وأعبر في تلافيف دماغي وأرى ذلك الماضي السحيق الذي كان يكتظ بتلك الطلاسم المتأرجحة على جدار رأسي المنهك، رأسي الذي كان يطفح فيه مئات المجازر اللامتناهية، والتي يصعب تفسيرها لكثرة قساوتها وشظفها وصعوبة اندمالها مع حياة الشعب السوري الأبي.
 
بجهد دؤوب ولحظات .. قامت جوارحي وذهني بتفكيك تلك الطلاسم المتقوقعة داخل نفسها.
تقول ذاكرتي: بناء على مسترجعات ماضي 2017/8/21 أن ذلك التاريخ كان هواؤه قد خبأ لنا في طيات نسائمه عبق الموت الذي تسلل إلى أجسامنا عندما استنشقنا.
 
“الكيماوي”
2013/8/21
تاريخ قضم بأيامه فلذات أكبادنا
تاريخ يعيد الموت إلينا ونحن أحياء
تاريخ سحق المئات من عوائلنا
صنع اليتامى والأرامل والثكالى والشهداء بنيف من اللحظات
كم كنت قاسيا وأخطأت بحقنا أيها “الكيماوي”
 
أتحدث ولأني كنت جزءا من الواقعة، تتقهقر بي الذاكرة لمساء الأربعاء، كنت أعمل ممرضا في ذلك المشفى الميداني، كان الأربعاء يوم مناوبتي، و ما أن خلدت إلى النوم حتى استيقظت من غفوتي على تلك الفاجعة العظيمة.
 
وقفت صامتا أحدق بعناية لا أصدق ما أرى ولا أعرف ما جرى، بثوان معدودة وطرفة عين امتلأت ساحة الإسعاف بأشخاص مصابين مفجوعين، لحظات قليلة و تتزايد أعداد المصابين أكثر ، إلى أن امتلأ ممر المشفى وساحتها الخارجية التي تبلغ مساحتها مايقارب 100 متر.
والناس يفترشون الأرض، ويتنوعون بين شهيد وناج .. بين طفل وامرأة .. بين شيخ وشاب، كنت أسير بينهم أكاد أصعق من هول المشهد، كنت أضع راحة يدي على شفتي اللتين ترتجفان واضغطهما، شعرت بأن عيني كادتا تنفجران من عظمة الفاجعة، كنت حينما أريد أن أمشي، أرفع قدمي التي ترتجف في ارتباك واحتيار ولا أعرف أين أضعها .. أخاف أن أدوس جسد جريح أو أنتهك حرمة شهيد من كثرة المصابين والشهداء.
كنت أرى الناس سكارى وما هم بسكارى
رأيت أطفالا لم يدركوا الطفولة ترتديهم البراءة بعمر الأشهر، شاهدت وجوههم وشفاههم الزرقاء التي اشتمت الكيماوي و لم يصلها الأوكسجين
رأيت عروسا ببدلة زفافها
رأيت أطفالا بلا أم وأمٌ بلا أطفال
رأيت شيوخا وكهولا رأيت شبابا وبنين
سمعت ما لم تسمعه أذن وتشاهده عين
لم يرحموا أحدا أبدا حتى الحجر اشتم رائحة الموت
رأيت زملائي وأطبائي يستنشقون ويموتون
رأيت بعيني ما لم تعرف أن تكتبه يداي
رأيت ورأيت و رأيت
 
كان ذلك اليوم العصيب أشبه بقنبلة هيروشيما، كان ليلا دامسا بالألم وساكنا بالحقد يعج بالموت يمنع الحياة ويحتكر الهواء.
كان ذنبنا وجرمنا أننا نطقنا بكلمة (حرية)!
ما أقبح تلك النوائب التي سربلها القدر إلينا، كم كانت قاسية على قلوب أنقى من الندى، كم كانت مجحفة بحق الأبرياء.
 
كم أحزنني أولئك الأطفال الذين استنشقوا غاز الموت ولم يزفروه.
وتلك العروس التي كانت بفستان زفافها تنتظر فرحها و زوجها فسبقها الموت مهرولا إليها.
وأولئك الشبان والكهول والسيدات والمسعفين والذين غفل عنهم قلمي ناموا ولم يستيقظوا.
 
لم يكن هناك سوى تلك الدموع التي كانت تغبش رؤيتنا ونحن نسعف المظلومين وتلك المشاعر التي ترجف أيدينا والصرخات التي تكوي قلوبنا، والأطفال التي جعلتنا نشهق من بكائنا، والنساء اللاتي مزقت فؤادنا والشباب الذين كووا أكبادنا، ذلك اليوم العصيب! جعل عدونا يمزقنا بعنفوان وفن متقن وما من أحد يمنعه من ذلك، كان ذلك المجرم يبدع وهو يؤلمنا، كان الموت كالوحوش التي تقضم الزهور بعشوائية مطلقة فذة.
عندما تتلفظوا وتتحدثوا عن غوطة دمشق وخان شيخون ابدؤا بكلمة الله أكبر، وحينما تنتهوا أختمواها بالسلام عليكم ورحمة الله، تماما كما تفعلون في الصلاة.
لعل سلامكم يصل لأرواح تشكو لربها ظلم البعيد و خذلان القريب، وداعا بلا لقاء أيها الحرب الكاوي، وسلام علينا يشبه سلام النار على سيدنا ابراهيم الخليل، وسلام علينا يوم نولد ويوم نموت ويوم نبعث أحياء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.