ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الشباب والتدين

يجب أن نفرق بين الدين والتدين فالدين هو الشريعة التي ارتضاها الله تعالى للناس حيث قال في محكم تنزيله “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” فالدين محكم ومفصل من عند الله تعالى ومنزل على رسوله (ﷺ) بالوحي أما التدين فهو سلوك الإنسان باتباع أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه فهنا يكون مقياس التدين للشباب .
أنماط التدين
أما عن أنماط التدين فهناك ثلاثة أنماط رئيسية للتدين منها التدين الحركي (السياسي) والتدين المتشدد والتدين الوسطي أما عن التدين الحركي فهو منتشر بشكل كبير في البلاد العربية والإسلامية وهنا يتخذ الشاب سلوكه من تعليمات قيادة حركته السياسية أكثر مما يأخذ من القرآن والسنة النبوية أما عن التدين المتشدد فهذا النوع من التدين منبوذ لأن في معظمه يقود الشباب إلى الغلو في الدين والتكفير والمشكلة الرئيسية في هذا التدين أن الشاب يفتقد إلى التربية الحقيقة الإسلامية التي تأخذ وقتا طويلاً ليجاهد الشاب نفسه ويستطيع أن يتحكم في شهواته وتجد أن أكثر الشباب المتشددين هم من حديثي التوبة لأي سببٍ كان حيث تجد الشاب تاب من قريب ويريد أن يعوض ما فاته من الذنوب بالغلو والتكفير وقد يجد تربة خصبة لدى بعض الجماعات التكفيرية لأنه يعتبر بالنسبة لهم وعاءً فارغاً يمكن ملؤه بأي شيئ ٍ من الأفكار وهذا ليس من الدين بشيئ وهنا يجب أن ننوه إلى مظاهر التدين لما سُئل الرسول (ﷺ) عن المرأة كثيرة العبادة لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: إنها في النار، وحينما سُئل عن المرأة قليلة العبادة وتحسن إلى جيرانها، قال: إنها في الجنة. يقول الشيخ محمد الغزالي” إن التدين الحقيقي ليس جسداً مهزولاً من طول الجوع والسهر، التدين الحقيقي إيمان بالله العظيم وشعور بالخلافة عنه بالأرض”.
ويقول الدكتور علي شريعتي: “إن الدين الحقيقي لا يحارب إلا بدين مزيف، “فبمقابل ما يفرضه الدين الحقيقي من وعي والتزام وجهد وتضحيات، يقدم الدين المزيف للناس طبق التوكل والشهوة والزخرف والإدعاء”.وتجدر الإشارة هنا الى أن معظم الجماعات التكفيرية الموجودة في البلاد الإسلامية هي صناعة أجهزة مخابرات غربية هدفها النيل من الإسلام والمسلمين وتشويه صورة الإسلام في الغرب حتى لا يدخل الناس في هذا الدين العظيم السمح ونقول لهم ديننا ليس دين سفك دماء ولا قتل فأكبر دليل على ذلك رسولنا الكريم (ﷺ) عندما فتح مكة قال لمشركي مكة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”ولم يسفك دماءهم ولم يخرجهم من بيوتهم وهم كانوا قد أخرجوه من بيته بأبي وأمي أنت يا رسول الله (ﷺ) .
التدين الوسطي
أما عن التدين الوسطي وهو المطلوب فهو سلوك الشاب وفق أوامر الله تعالى في القرآن والسنة والبعد عن نواهيه فتجد الشاب مرجعه إلى كتاب الله وسنة حبيبه المصطفى محمد (ﷺ) وشباب هذا النوع من التدين تجده تربّى تربية حقيقية على الكتاب والسنة منذ نعومة أظفاره فقلما تجد شاباً من هذا النوع ينحرف لأنه أخذ الوقت المناسب في التربية وتجد أن شباب هذا النوع من التدين هم الذين يضحون في هذا الزمان بأنفسهم في سبيل الله وبحريتهم وراء القضبان لأنهم تربوا على حب التضحية والصبر على البلاء حيث قال الله تعالى ” أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ”.فطوبى لهذا النوع من الشباب تدينهم .
 
لذة التدين
قد يتساءل البعض هل للتدين لذة هنا لا يملك أن يجيب على هذا السؤال إلا من كان يعتنق الدين الصحيح فلذة التدين هي أن تشعر أن الله معك في كل صغيرة وكبيرة في الرخاء والشدة في الفرح والسرور يعينك على كل صعب ويختار لك الأفضل وإن بدا لك عكس ذلك ولذة التدين تكمن في السعادة الحقيقية حيث قال الشاعر: ولست أرى السعادة جمع مال ***ولكن التقي هو السعيد، فكم من إنسان يعاني من القلق والإضطرابات النفسية مع وجود المال والسيارات وكل أدوات السعادة لماذا ؟ لأنه يفتقد إلى أصل السعادة فالسعادة هي إسعاد الروح ، ولا يكون إسعاد الروح بالأمور الدنيوية وإنما بارتباط هذه الروح بخالقها واتباع أوامره واجتناب نواهيه واللذة الحقيقية تكمن فيما عند الله تعالى في الأخرة لأن المؤمن يعرف أن هذه الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة وأن مثلها كمثل راكب استظل تحت شجرة ثم تركها ومشى فنحن على هذه الأرض للإختبار والتمحيص .
ثمرة التدين
حقيقة نحن اليوم في هذا الزمان نفتقر إلى الكثير من ثمار التدين فبالرجوع قليلاً للوراء إلى عهد الرسول (ﷺ) وعهد الصحابة نجد أن الرسول (ﷺ) قد ربّى الصحابة رضوان الله عليهم تربيةً إسلاميةً بحتة على الصبرعلى البلاء والتضحية في سبيل الله فيظهر ذلك جلياً في الحديث الشريف عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله (ﷺ) وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال: “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون” متفق عليه. فالرسول (ﷺ) كان بإمكانه أن يرفع يديه ويدعو الله ولكن أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم أن هذه الدنيا للتمحيص والإختبار حتى تذهب إلى الأخرة مطهراً من الخبائث والذنوب وأراد الرسول (ﷺ) أن يبعث فيهم الأمل فقال حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه ولكن متى يأتي هذا التمكين لا يأتي الا بعد التمحيص فنجد أن الجيل الذي رباه رسول الله (ﷺ) قد فتح البلاد بأسرها وحقق الله لهم وعوده وثبتهم ومكن لهم ولكن بعد ماذا بعد أن تم تمحيصهم حتى الرسول (ﷺ) عانى مع مشركي قريش وكلنا يعلم قصته (ﷺ) في غزوة أحد لما وقع في الحفرة وشقت رباعيته فصبر (ﷺ) وعندما إنتهت المعركة لم يدعُ على المشركين بل قال” اللهمَّ إهد قومي فإنهم لا يعلمون”روحي لك الفداء يا حبيبي يا رسول الله (ﷺ) فثبت الصحابةعلى دين الله ولم يتزحزحوا فأيدهم الله بنصره.
 
وصايا متدين
وفي الختام نوصيكم أحبابنا المتدينين لا تيأسوا فالله تعالى وعدنا في أواخر سورة النور فقال ” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” وهذا وعد ربّاني لكم أيها المتدينون وكما قال الشيخ راتب النابلسي لَزوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعوده لعباده يا من ضحيتم بأغلى سنين حياتكم وراء القضبان وفي المساجد فوعدكم بالاستخلاف في الأرض وأيضا بالتمكين لهذا الدين الذي تسعون ليل نهار ليكون منهاج حياة ووعدكم أيضا أن يبدل الخوف الذي تعيشونه اليوم بالأمن والأمان والإستقرار لأنكم أنتم من سيحكم ومن ستكون له القوة يومئذ وأعاد في نهاية الأية قوله تعالى ” يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا” تأكيداً منه جل جلاله على أن الإيمان مرتبط بالعمل الصالح والطاعة والعبادة فكما أنتم اليوم أيها الأخوة في محنة وإبتلاء فأبشروا بفجر جديد يطارد الظلام على رؤوس الجبال وفي الأودية وأن عز الإسلام سيعود على أيديكم فلا تيأسوا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.