ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الثوابت في الشعر الفلسطيني

قرأت لكم

من كتاب

الثوابت في الشعر الفلسطيني المقاوم

صدر هذا الكتاب عام 2018 .

للدكتور رمضان عمر

فلسطين جرحنا النازف وشوقنا الأبدي تهفو لها الأرواح وتنبض بحبها القلوب، وكم رسم الشعراء أشواقهم أبيات من نور عزفوها على بحر الحنين لأجل فلسطين، فامتلأ الفضاء بأناشيد الثورة وأغاني العودة والحنين، تنافس الشعراء في الكتابة لفلسطين فأجادوا وأبدعوا، فمنذ بداية القضية الفلسطينية مع انتهاء السلطنة العثمانية وبداية الانتداب على فلسطين أخذت الأقلام تكتب شوقا لفلسطين واستمرت إلى يومنا الحاضر.

نحن اليوم أمام كتاب له قيمة معرفية عالية حاول من خلاله كاتبه أن يدرس الثوابت الوطنية في الشعر الفلسطيني المقاوم، وقلما نجد باحثا تحدث في هذه الجزئية، حيث يتحدث بعد مقدمة وجيزة عن النقد وإشكالياته في الأدب المقاوم، لينتقل بعدها للخوض في غمار الحالة الفلسطينية من خلال أشعار العديد من الشعراء وعندما نتحدث عن الشعر المقاوم والقضية الفلسطينية لا بد التعريج على محمود درويش والذي كانت له أشعار جميلة مع بداية الثورة الفلسطينية فخصص المؤلف مطلع كتابه للحديث عن الانتقال الجذري في مسيرة محمود درويش الأدبية من الأديب المقاوم إلى مربع التطبيع وكيف خرج في النهاية من القالب الأدبي المقاوم ليجد نفسه واقعا في تصوره الخاص حول البعد الإنساني فيعالج القضايا من منظوره الخاص، وهنا وضع الكاتب لنا نموذجا لدرويش هو كتاب حالة حصار حيث تحدث بداية عن الشهداء وتشكيل الهوية في ديوانه المنشور عام 2002 ليظهر كيف تحول محمود درويش من البعد الوطني إلى البعد الذاتي ومن شعر القضية إلى قضية الشعر متجسدا حال الضحية المتسامح مع الذئب يحاوره بإنسانية مستجديا منه السلام فيشهد للمحتل بحقه في العيش في فلسطين داعيا إياه أن يتعايش مع الفلسطيني على نفس الأرض.

ثم ينتقل بعدها للنكبة الفلسطينية، ويقرأها تاريخيا من ناحية الشعر ما قبل النكبة ليعرج على قصيدة الكواكبي:

بيافا يوم حط بنا الركاب … تمطر عارض ودجا سحابُ

ولاح اللد منبسطا عليه … من الزهـرات يانعة خضابُ

فيدرس عناصر التكوين للقصيدة ومعانيها العروبية الوحدوية والمنذرة بضياع فلسطين فيعرج على قصيدة إبراهيم طوقان “مناهج” والتي نظمها عام 1935 قبل النكبة:

أمامك أيُّها العربيُّ يومٌ … تشيبُ لهولهِ سودُ النواصي

وأنت كما عهدتك لا تبالي … بغير مظاهِرِ العبَثِ الرّخاصِ

مصيرك بات يَلْمُسُه الأَّداني … وسار حديثُهُ بين الأَقاصي

فلا رَحْبُ القصور غداً بباقٍ … لساكنها ولا ضيق الخصاصِ

لنا خصمان ذو حوْلٍ وطوْلٍ … وآخر ذو احتيالٍ واقتناصِ

وتواصواْ بينهم قسأتى وبالاً … وإذلالاً لنا ذاك التواصي

مناهجُ للابادة واضحاتٌ … وبالحسنى تنفَّذُو الرصاصِ

ثم ينتقل بعدها إلى الحالة الثقافية ما بعد النكبة وما اعتراها من تراجع لم يمنع من ظهور أدباء وشعراء أمثال عبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي، فينتقل لديوان المشرد لعبد الكريم الكرمي والذي نشره عام 1948 ليختار قصيدته المشرد ويسبر أغوارها نقدا جميلا:

يا أخي أنت معي في كل درب … فأحمل الجرح وسر جنبا لجنب

نحن إن لم نحترق كيف السنا … يملأ الدنيا ويهدي كل ركب

سر معي في طرق العمر وقل … أين من يحمي الحمى أو من يلبي؟

ويتحدث خلال تلك الفترة عن تغييب البعد الديني في الأدب المقاوم بسبب الخلفية اليسارية للأدباء والمفكرين.

ثم ينتقل لنكسة حزيران ويأخذ الحالة الإسلامية في تلك الفترة متجسدة في الشاعر المرحوم يوسف العظم ليبين ميزات وجماليات التصوير الفني للشاعر وكيف أجاد في تشريح الحالة الفلسطينية بقالب أدبي وإسلامي لم يغفل البعد الديني للقضية الفلسطينية فيأخذ نماذجا من شعره ومنه:

نحن يا فيروز ما عاد لنا … أذن تهفو وللحن تحن

كل ما فينا جراحٌ ودمٌ … نازف من كبدٍ حرَّىَ تأن

أتغني للهوى في مأتمٍ … ولنا من دمنا كأسٌ ودن

 ثم ينتقل لقراءة نقدية في قصيدة عبد الكريم الكرمي أبي سلمى المشرد ليظهر التناص الشعري بينها وبين قصائد إبراهيم طوقان و عبد الرحيم محمود.

لينتقل بعدها إلى مفهوم الأرض والإنسان فعرج على قصيدة متى تغضب للشاعر الدكتور عبد الغني التميمي والتي تعد من أجمل القصائد المعاصرة في القضية الفلسطينية من وجهة نظري والتي يقول في مطلعها:

 

أعيرونا مدافعكم ليوم لا مدامعكم

أعيرونا وظلوا في مواقعكم

..

بنو الإسلام

ما زالت مواجعنا مواجعكم مصارعنا مصارعكم

أذا ما أغرق الطوفان شارعنا سيغرق منه شارعكم

ألسنا أخوة في الدين ؟؟

والجميل في هذا الكتاب أنه حاول جمع شتات الأدب المقاوم من بدايته ليومنا هذا فهو قد أخذ نماذج لشعراء كبار توفاهم الله وانتقل بعدها ليأخذ نماذج لشعراء معاصرين أمثال الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي والذي اشتهر بقصيدته “في القدس”  فعرج على الفنيات في تلك القصيدة والتي كان مطلعها:

مرَرْنا عَلى دارِ الحبيب فرَدَّنا  …عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها

فَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ … فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها

تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ … إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها

وما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها … تُسَرُّ ولا كُلُّ الغِيابِ يُضِيرُها

لينتقل بعدها لدراسة حالة شعرية جديدة للشاعر ياسر علي بقصديته خلف أسوار الهوى والتي يقول فيها :

يا قلب مالك كلما ذُكرت دماؤك تنحبس

يسري شرود العين نحو النور يستجدي القبس

أتراك تسري للحبيبة خلف أسوار الهوى

أم تبتغي لمّ الأحبة كلهم، برحاب ساحات القدس

*******

ألا تدري؟ شغافك سال بين البحر والنهر

وروح الروح في الأقصى تطير بخفة الطير

وما تعبت من الذكرى، وقد تعبت من الهجر

فذكراها تزيد النار في قلبي وفي صدري

فعالج القصيدة  بمعالجة نقدية تشد القارئ، ثم يعرج على قصائد لأحمد مطر وفدوى طوقان.

لينتقل بعدها ويتحدث عن حلم العودة في الأدب الفلسطيني ويعرج على العودة في الرواية الفلسطينية ويستذكر مجموعة من روايات الكاتب الراحل غسان كنفاني ويؤكد الكاتب على أن الرواية الفلسطينية قبل اتفاقية أوسلو كانت مفعمة بالخطاب الثوري لينتقل إلى اتفاقية أوسلو وما تركته من كوارث على الثوابت الفلسطينية من تضييع للحقوق وكيف أجمعت كل الأقلام الأدبية على كارثية هذة الاتفاقية  فعرج على رواية الكاتب نهر يستحم في بحيرة للكاتب يحيى يخلف، ورواية “هرم كنعان للكاتب حبيب هنا، والعديد من الروايات الأخرى، ليخلص الكاتب أن المشهد الثقافي المقاوم قدم أنموذجا للوعي الثقافي المقاوم، وقدموا أنموذجا لوعي المواطن الذي يسعى إلى وطن فوق التراب وليس أغنية تذروها معاول الاستيطان والاعتقال والتهجير والاغتراب.

وكم شدني محتوى الكتاب لما فيه من معلومات وسعة اضطلاع لمؤلفه لذا كان لزاما علي أن أنصحكم بإقتناء هذا الكتاب وقراءته فهو كنز معرفة حقيقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.