ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

رثاء وطن

وفي زمن ما كانت لنا أرضا قد شغفناها حبا، فتنا بجمالها حتى كانت الشمس تخجل أمام عظمة هذا الجمال، حيث كانت الأشجار تضرب بجذورها الأرض التي كانت ترحب بها فرحةً، والأطيار مع كل صباح تشدو أنغامها تطرب لسماعه الأذان، كانت حياتنا تروي حكاية شعب عاش الحياة بأبسط معانيها، مع كل صباح حين تلامس قطرات الندى الأرض، وكلمات الصلاة خير من النوم تنبه الغافلين وتقول لهم هيا لرحمة الرحمن، يبدأ والدي بنشاطه بعد أن يلبي دعوة الفجر يتجه للأرض التي كانت تفرح بقدومنا، يشقى لأجلنا وجبينه يقطر عرقا، يمسك فأسه ليغرس ثمرة، حيث كان طعامنا من خيرات أرضنا، وأمي تلك الأم التي لو كتبت كلماتي لوقفت عاجزة، كانت بأنامل يديها تطحن القمح على الرحى.
 
لتصنع لنا خبزا، وصوتها يشدو بأجمل الأنغام حكاية شعب.
 
لم يدرك ما سيحل به، ثم تشمر عن ساعديها تصنع طعاما تضع أجمل لمساتها عليه، وتأتي بالطعام لنا ولأبي، ثم تكون هي الذراع التي تخفف عن أبي خشونة الحياة، حياة رغم خشونتها لكن هي جميلة ببساطتها، تغرس وتأكل من تعب يداك، يمضي الوقت ويأتي الليل، ويجتمع الأحباب أبي مع جيراننا بديوان خاص بهم، مع رائحة القهوة التي تملأ المكان عطرا، وترسم شذى الذكريات.
 
وأمي هي ونساء الحارة كل واحدة تأتي بنسيجها لتصنع فنا من فنون يديها، ونحن الأطفال نملأ المكان بأنغام الطفولة، نلعب ونجري ونمرح، نلمس الحياة ببساطتها، والأعراس واقع يرسم حب المجتمع، عروس من نسيج يديها أو يد أمها تلبس ثوب فلسطيني.
 
وصوت الغناء ثلاثة أيام والأهازيج تحكي الرواية رواية شعب بسبط أراد الحياة، حياة ليس كأي حياة، ذكريات لو نطق القلم لبكى.
 
لكن ها هي هناك من كان يتربص بنا ليقتل أفراحنا حين أعطتهم الشقراء بريطانيا وعدا على الأرض الحرة، وكتبت باسمهم أرضا ليس لهم، آه من وجع شعبي، أتذكر أيها الأقصى، أتذكر ومن ينسى، حين هاجمت الوحوش الصهيونية قرانا، وبكل جرأة اغتصبوا بلادنا، حيث لم يكن في بلاد العرب صلاح أو عمر يغار على شرفها، وحين سالت الدماء تشهد خذلان العرب غنى الصهاينة انتصاراتهم، وكتبوها في سجلات فخرهم.
 
أتذكرين أيتها الأرض حين جاءت تلك الجيوش إلى فلسطين يا ليتها لم تأتِ، كانت جيوش ذل وعار، جيوش نخجل حين ينطق التاريخ اسمهم، فقد ضحكوا علينا حين قالوا لنا ثلاث أيام فقط.
 
بعدها العودة، أي عودة حين خدعونا؟؟وكيف لهم أن يغضبوا سيدتهم الحسناء بريطانيا؟؟ ها هي يا عرب عشرات السنين ولم نعد.
 
أين الوعد يا من يخجل القلم حين يذكر أن العرب ألقوا فلسطين في غيابت الجب، فعثرت عليها الحسناء بريطانيا.
 
وباعتها بدارهم معدودة وكانت فيها من الزاهدين، لم يشتريها عزيز مصر بل اشتراها من انتهك حرمتها، آه من لحظات الوجع، وجع وطني الجريح، حين أصبحنا غرباء في بلاد العرب، ما أصعب وجع الغربة!! تعيش غريبا وبلادك يمرح فيها العدو ويسرح، والأشد ألما يوم أعلنوا دولتهم على ثراك يا بلدي، هناك أصبحت الديار حزينة، تبكي أصحابها الذين رحلوا، تركوها وحيدةً، وظن الصهاينة أن الكبار يموتون، والصغار ينسون، لكن خاب ظنهم، ها هم الصغار رجال في الميادين، يدفعوا مهر فلسطين.
 
كل يوم عريس في عرس الشهادة يزف لحور العين، وأصدقائه على الوعد باقون، تلامس أيديهم الطاهرة البندقية لتنقص عدوا طغى وتجبر، وأيديهم تضغط على الزناد مع كل صيحة وجع ليقولوا ليس وحدك يا بلادي، لله درك يا فلسطين!! سيعود يوما اللاجئين.
 
ونصلي بالأقصى أجمعين، والصهاينة سيرحلون داخرين.
 
فإني أرى شمس العودة قاب قوسين أو أدنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.