ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

بعد انحسار العاصفة

مارثون الخليل.. ما لنا وما علينا

 

الآن وقد هدأت عاصفة الجدل حول الماراثون (المختلط) الذي نظمته جمعية تنظيم وحماية الأسرة في الخليل، ذلك الماراثون الذي استفز أهل هذه المدينة المحافظة، فثاروا على صفحات الفيسبوك مهاجمين إياه، معتبرينه قد جاء في سياق هدم البنيان القيمي والأخلاقي لمدينة أبي الأنبياء عليه السلام، بعد أن هدأت تلك العاصفة نحن بحاجة إلى وقفة نراجع فيها أداءنا في هذا الحدث، والذي هو تكرار لأدائنا في أحداث كثيرة مشابهة، ننفعل بها، ونتفاعل معها، ثم تمضي ولا نأخذ العبرة منها.

في البداية يجب أن ننتبه إلى أن هذا المارثون وما شابهه من أنشطة مدعومة من منظمات الـ (NGOS) ليس حدثًا منفردًا، بل هو حلقة ضمن سلسلة متواصلة من محاولات تنشئة جيل يحمل فكرًا بعيدًا عن دينه وعقيدته، وهذا يعني أنه لم يكن الأول ولن يكون الأخير ضمن هذه السلسلة من محاولات الإفساد.

المشكلة التي نقع فيها هي أننا دائمًا نتعامل مع مثل هذه الأحداث بردود الفعل، لا بإنشاء فعل مضاد موجَّهٍ خاصٍّ بنا، وكأني بمن هم وراء هذه الفعاليات يدركون ذلك، فيشغلوننا في إطفاء حريق هنا، ثم آخر هناك، ونبقى لاهثين وراء تلك الحرائق المفتعلة، راكضين في متاهاتها، لا نستريح لنفكر أو نخطط أو نرسم معالم سيرنا.

وخلال ردود أفعالنا، ولأن العاطفة هي التي تحكمنا، وهي عاطفة محمودة، غير أن عدم ضبطها بضوابط الفكر والعقل يجعلها تحمل معها سلبيات عديدة تأتي بعكس ما يراد منها، خلال ذلك تنمو عندنا ممارسات سلبية يفرح بها المخالفون المتربصون، ويشعرون أنهم حققوا جزءًا مما يريدونه عبر اندفاعاتنا العاطفية غير المدروسة، وهل من نجاح لهم أكثر من استقطاب فئة من أبنائنا وبناتنا وإقناعهم بوجود سور حاجز بينهم وبين ثقافة وأخلاق أهلهم وشعبهم، وذلك عبر تنفيرنا إياهم وإساءة معاملتنا لهم؟!

خطابي هنا ليس موجهًا لهؤلاء الذين ينظمون تلك الفعاليات الإفسادية، ولا للمغرر بهم الذين يشاركون فيها، وإنما هو موجه للذين تدفعهم حرقتهم لإنكار هاتيك المنكرات، ولا يدركون أنهم قد يقع بعضهم في منكرات أكبر بسوء طريقتهم في إنكار المنكر.

النقطة الأولى التي يجب أن نقف عندها هي التذكير بأن لإنكار المنكر قواعد يجب مراعاتها، إلا أدى ذلك إلى عكس المقصود منه، فالمقصود الأساس من إنكار أي منكر هو إزالته أو التخفيف منه، فإن أدى فعلنا لزيادته وتجذيره وتقويته توجب علينا مراجعة أدائنا ومنهجنا.

ثم إن مهمتنا – كدعاة – في مجتمعنا هي نفس مهمة الطبيب، توفير سبل الوقاية من المرض، وعلاجه إن حدث، والطبيب لا يلجأ إلى الخيارات العنيفة كعمليات البتر والجراحة إلا عندما لا يبقى غيرها حلًّا للمرض الذي يعالجه، أما نحن فإن الخيارات العنيفة هي أول ما نلجأ إليه في تعاملنا مع أمراض المجتمع الأخلاقية والسلوكية والفكرية، وقد تكون هذه الخيارات عنفًا (لفظيًّا) وليس (حقيقيًّا ماديًّا)، ولكن العنف يبقى عنفًا مهما كانت صورته.

الداعية كالطبيب مطلوب منه أن يكون رفيقًا بمرضاه، حريصًا عليهم، فهو يعمل ليعالجهم لا ليقتلهم، ولذلك حرص النبي ﷺ على الحث على الرفق، ولنقف مع نموذج من توجيهاته في ذلك:

دخل مجموعة من اليهود على النبيّ ﷺ، فَبدل أن يقولوا له (السلام عليك) قَالُوا: (السَّامُ عَلَيْكَ)، و(السام) هو الموت والهلاك، فقال النَّبيُّ ﷺ: (السَّامُ عَلَيْكُمْ)، وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها حاضرة سامعة فغضبت وقالت لهم: السَّامُ عَلَيْكُمْ يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَعْنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ، فَقَالَ لها ﷺ: (يَا عَائِشَةُ، مَهْ!)، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ قَالَ: (أَوَمَا سَمِعْتِ مَا رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟ يَا عَائِشَةُ، لَمْ يَدْخُلِ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ).

لقد رافق تعاملنا مع منكر الماراثون مخالفات خطيرة وقع كثيرون منا فيها، ومن ذلك:

  • استسهال التكفير؛ فرغم أن نشر الاختلاط والفساد أمر مذموم مدان، إلا أنه لا يصل إلى مرحلة الكفر، ولا يجوز إطلاق الأحكام بتكفير الناس بهذه الطريقة التي يقوم بها بعض الغيورين على دينهم جهلًا.
  • إصدار الأحكام على أناس معينين بأنهم سيدخلون النار وسيحرمون من دخول الجنة، وقد غاب عن هؤلاء أن مفاتيح الجنة والنار ليست بأيديهم، وأن الذنوب التي دون الكفر تحت مشيئة الله، إن شاء غفرها وإن شاء عذب بها، وليستمع هؤلاء المتعجلون إلى هذا الحديث المخيف الذي يجب أن يدفعهم للتوقف عن توزيع مقاعد الجنة والنار:

فقد أخبرنا ﷺ (أن رجلينِ في بني إسرائيلَ كانا مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟

فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ).

لاحظوا معي هي نفس العبارات التي تدور على صفحاتنا مع عصاة غير كفار من أبناء أمتنا.

يكمل الرسول ﷺ حديثه فيقول: (فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ)

وقد علق أبو هريرة رضي الله عنه، وهو راوي الحديث فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.

فهل يقبل أحدكم أن يتكلم بما يوبق دنيا وآخرته؟!

 

وقد يحتج البعض بأنهم لم يقولوا غير ما قاله ﷺ كما في حديثه الذي فيه (ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) وذكر منهم (الدَّيّوث)، فأقول لهؤلاء:

إن فهمكم للحديث ولمنهج الإسلام فيه خلل عظيم، فالعلماء يذكرون أن هذه الأحاديث التي جاء فيها أن من فعل كذا كفر، أو حُرِمَ من دخول الجنة، تتحدث عن (الفعل) وتهدف إلى ذمّه والتنفير منه، أما عندما يكون الحديث عن (الفاعل) أي الشخص المعين، فحتى نحكم عليه بالكفر أو أنه ليس من أهل الجنة نحتاج أمورًا أخرى، إذ هناك موانع عديدة تمنع من دخول (الشخص المعين) تحت طائلة ذلك الوعيد، فلا بدّ من التحقق من انتفاء تلك الموانع، وهو ما ليس من مهمة الأفراد في الأمة.

كما أن فهمكم لـ (الدّيوث) بحاجة إلى مراجعة، فليس كل من خرجت ابنته أو قريبته متبرجة ديّوثًا، إذ الدّيّوث – كما جاء مفسرًا في بعض روايات الحديث – هو (الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ) والخبث هنا هو الزنا، قيل: ومقدماته أيضًا، وكم من رجل تخرج ابنته متبرجة وقد تقارف المعاصي وهو غير مُقِرٍّ لذلك ولا راضٍ به، بل هو عاجز عن تغييره!

لقد كثر الاتهام بالدياثة هذه الأيام، وليُحَضِّرْ كلُّ من أطلق لسانه في الناس نفسه ليوم القيامة إذ قد يأتيه متّهمٌ بالدياثة ظلمًا فيشكوه إلى الله ويطلب منه حقّه.

إنكار المنكر مطلوب، ولكن الطريقة الأمثل لذلك تكون بنشر الخير والمعروف، وبذل الجهد لتقريب الناس من دينهم، وتذكروا (أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة).

لقد طال المقال، ولعلي أعود لأفصل في المطلوب منا في مقال لاحق بمشيئة الله تعالى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.