ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

معادلة الهدوء والحرب

بقلم / رامي أبو زبيدة...الباحث بالشأن العسكري

قيمة الهدوء على الارض تصبح صفراً عندما يكون هذا الهدوء في عمق الاقتناع الصهيوني هشا وقابلا للتحول بلحظة الى جحيم وعدوان، لذا بات من الواضح أنه لا وجود في غزة اليوم لوضع في المنتصف، إما حرب وإما هدوء .
غزة اليوم تسيطر على النقاش السياسي والحزبي في إسرائيل، وازداد مستوى الحديث حول مستقبل وواقع غزة الملتهب بفعل الحراك الشعبي على حدودها الشرقية وحالة الضغط التي تسببت بها الأطباق الورقية والبالونات الحارقة وما فرضته المقاومة وثبتته من قواعد على الأرض، ورغم الجهود الحاصلة بين غزة والقاهرة والوساطة الأممية وتل أبيب، لكن الأخيرة ما زالت ترى في المقاومة كيانا معاديا يستهدفها، ولا ترى نفسها مضطرة للاتفاق معها على تهدئة قد تعطيها مزيدا من الوقت، تعيد ترميم قدراتها العسكرية، وتلتقط أنفاسها، وتأخذ استراحة محارب، تحضيرا لمواجهة قادمة، و بالتالي هي معنية أن تبقى المقاومة في حالة دفاع عن النفس، وغير مستقرة .
ولان القوة العسكرية للمقاومة وغرفة عملياتها المشتركة، وطبيعة استخدامها الميداني أكدت وتثبت مجموعة من القواعد التي تقول، أن المقاومة الفلسطينية هي في حالة دفاع عن النفس وتقوم بواجبها في رد العدوان عن شعبنا، وان لديها الشجاعة والجرأة على الرد على عدوان الاحتلال وتثبيت المعادلات التي رسختها بالميدان، وأنها قادرة على تحطيم رغبة العدو بالاستمرار بالعدوان على شعبنا ، كما لديها القدرة على تحقيق المفاجأة والمحافظة على زمام المبادرة .
كما اوضح الميدان ان إسرائيل عاجزة عن التعامل مع القوّة الصاروخية، وفشلت منظومة القبة الحديدية في التصدي لصواريخ المقاومة حيث لم تتمكن منظومة “القبة الحديدية” الدفاعية من مواجهتها، مما يؤكد عجزها عن التصدي الكامل للصواريخ والقذائف الفلسطينية ، وأن التهديد على الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”، سيكون أخطر بكثير، في أية مواجهة قادمة، والسبب الأساسي لذلك ليس زيادة كميات الصواريخ وقذائف الهاون، التي يمكن أن تسقط على “إسرائيل” بل الفعالية القاتِلة لهذه النيران، والخسائر والأضرار التي ستلحق بالجبهة الداخلية المدنية والعسكرية لـ”إسرائيل” قد تزيد مئات الأضعاف عن الجولات السابقة ، والواضح أن الفجوات في تجهيز الجبهة الداخلية الإسرائيلية للحرب لا تزال واسعة جداً وهذا ما أكده اعلام العدو .
إذا ما تمادى العدو وتطورت الاحداث وأراد جيش الاحتلال الإسرائيلي قطع الطريق أمام المقاومة لإطلاق القذائف الصاروخية باتجاه مدن العدو ووقف أدوات المقاومة الشعبية ولم يستجب لشروط المقاومة، فإن ذلك يتطلب منه القتال في مناطق سكنية مزدحمة وهو ما قد تسعى له المقاومة فينتج عن ذلك تركيز قدرات المقاومة العسكرية على تهديد الجبهة الداخلية العسكرية واستنزاف قوات الاحتلال في أزقة وشوارع القطاع، حيث تستطيع تحقيق عدداً من الأهداف الاستراتيجية :
أولاً: منع سلاح الجو الصهيوني من الحصول على ثمن استراتيجي باهظ خلال مجريات الحرب المقبلة، ولذلك تعمل المقاومة على نشر كميات كبيرة من القذائف الصاروخية طويلة المدى في مختلف أنحاء القطاع، وإنتاج مئات القذائف بهدف شل قدرات الطيران الإسرائيلي، والحيلولة بينه وبين تحقيقه نتيجة مستقبلية هامة .
ثانياً: المحافظة على إطلاق قوة نارية مكثفة، حتى لو حصل ذلك في ظل وصول الجيش الصهيوني إلى مناطق القطاع ، وهو ما قد يسهم في تقوية وتعزيز قدرة المقاومة في المواجهة القادمة .
ثالثاً: وجود تناسق والتحام بين المقاومة الشعبية والمقاومة المسلحة، فالأخيرة ولدت من رحم الأولى، فالمقاومة المسلحة قبل أن تكون بالبندقية والصاروخ بدأت بالحجر والسكين، وعليه فإن وجود المقاومة شعبية دليل على أن الشعب الفلسطيني بغزة بأكمله مجمع على خيار عدم شرعية وجود الكيان الإسرائيلي.
المقاومة الشعبية والضجة الإعلامية التي تحدثها إن كان بذاتها أو نتيجة حجم الجرائم التي يقوم بها الكيان في سبيل مواجهتها لها الدور في إعادة القضية الفلسطينية إلى أولويات الاهتمام العربي والدولي، خاصة مع وجود مسعى من قبل بعض الحكومات والأنظمة لضرب هذه القضية وتمييعها.
في نظر المقاومة، فإن الجيش الصهيوني قادر عملياً على احتلال القطاع بقوته العسكرية لكنه غير قادر على تحديد مائلات وجوده بالقطاع وحجم الكارثة التي ستحل بقواته على الأرض وفي شوارع وأزقة المخيمات، لذلك فإن أساس القدرات الدفاعية التي تجهزها المقاومة في القطاع تهدف إلى : إبطال مفعول الإنجاز البري الإسرائيلي، والسعي نحو إحداث شكوك عريضة في مستوى ثقة الجمهور الصهيوني بمؤسسة الجيش، ما قد يؤثر على إدارة العدو لمجريات المعركة.
وهنا نستطيع أن نقول إنّ طبول الحرب التي تقرع الآن على غزة قد تكون طبول ضغط وابتزاز، ولكن وبما أنّ العسكري عليه أن يعمل بالاحتياط ويقدّر الحال على الفرض الأسوأ، فإننا نترك مساحة للحظة جنون أو هستيريا أو عمى استراتيجي تنتاب العدو الصهيوني ، فيقدح نار حرب تتدحرج سريعا سيكون هو الخاسر الاكبر فيها ، لان نتائج جولة التصعيد الأخيرة تزيد من فرص الجنون والغدر، ليس لأن ذلك يخدم مصالح تل أبيب، بل لأن مستوى الضغوط التي تمارس على القيادة الصهيونية من قبل الرأي العام و الائتلاف الحاكم والمعارضة تقلص هامش المناورة أمام دوائر الحكم في تل أبيب وتدفعها نحو مغامرة وتنفيذ عمل عسكري استعراضي غادر ينقذ المستوى السياسي والعسكري من الضغوط الداخلية .
بالختام اقول المقاومة تعي أن الجزء المهم في حرب الخدعة والغدر، يتمثل في القدرة على التفكير كما يفكر العدو، إذ ان ما قد يبدو منطقياً بنظر الجانب الذي يرسم الخدعة ويحك الغد، ربما لا يبدو منطقياً بنظر الضحية الهدف، ويجب ان نكون على دراية بطريقة تفكير العدو، وانا على قناعة بأن اجهزة المقاومة الاستخبارية و هي عيننا التي نري بها مواطن الضعف والخلل في جسد العدو، قد أخذت أهمية وشمولية كبيرة لدى المقاومة الفلسطينية، وغدت مرتبطة باستراتيجية المقاومة، فالمقاومة تسعى للحصول على افضل المعلومات التي يمكن الحصول عليها عن العدو، والتغلغل في صفوفه بواسطة استخدام الوسائل التكنولوجية والتقنية، من اجل معرفة ما الذي تعرفه وما الذي تريد معرفته، وكيف تحصل على المعلومات التي تريد، لأنه كلما استطاعت تنفيذ عمليات خداع واختراق استخباري ناجح، سيسعى العدو بالمقابل بالرد من خلال اجهزته الاستخبارية لذلك عليها أن تسأل نفسها باستمرار ما هي الاتجاهات المعقولة والاكثر منطقية التي قد يهاجم العدو منها .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.