ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

العشر المباركات

 

العشر الأوائل من ذي الحجة أيام معلومة مباركة، عظم الله أمرها وضاعف أجرها وأمرنا فيها بحسن العبادة والطاعة، فالمؤمن الحريص يعيش هذه الأيام طاعة لله وبراً ويجعل شعاره فيها قول الله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين(، فينتقل في هذه الأيام من طاعة لطاعة ومن عبادة لعبادة ليحتسب كل خطوة وحركة وسكون طاعة لله وقرباُ، حتى عمله في التجارة أو الوظيفة أو أي مهنة يمتهنها تكون له عبادة إن أخلص فيها النية لله تعالى.
مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان) رواه الطبراني وصححه الألباني.
فالعبادة لا تنحصر في المسجد فحسب؛ بل كل جهد يبذل ويبتغى به وجه الله عبادة، وكل كسب حلال من أجل عفة النفس والإنفاق على الأهل عبادة، وكل معروف يُسدى إلى الخلق وخير يقدم إلى الناس عبادة، وإطعام الطعام وإفشاء السلام والإصلاح بين الأنام عبادة، والنفقة على الزوجة والعيال وكفالة الأيتام وقضاء حوائج الإخوان والدعاء لهم عبادة، والكف عن أعراض المسلمين وعدم إيذائهم وغض البصر وحفظ الفرج وإماطة الأذى عن الطريق عبادة.

وأجر العبادة في هذه الأيام يفوق غيرها بكثير فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني.

وفضل هذه الأيام المباركة يفوق فضل غيرها من أيام العام قاطبة حتى أن العلماء فضّلوها على شهر رمضان المبارك، وأجمل ما ذكر في هذا المجال هو قول ابن تيمية -رحمه الله- عندما وازن بين فضل شهر رمضان وهذه الأيام العشر من ذي الحجة فقال: “ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل لاشتمالها على ليلة القدر، وأيام عشر ذي الحجة أفضل لاشتمالها على يوم النحر ويوم عرفة وأيام الحج”.

وفضل هذه الأيام يظهر لاشتمالها على كل العبادات والطاعات مجتمعة كما قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله- في فتح الباري: “الذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره.”

ففي هذه الأيام تشرع كل العبادات والطاعات دون تخصيص أو حصر لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم “ما من أيام العمل الصالح..” فالعمل الصالح هنا أتى بصيغة العموم دون تخصيص طاعة معينة، ومن أجل هذه العبادات في هذه الأيام المباركات:
تلاوة القرآن.
الموفق من أكرمه الله في هذه الأيام الفضيلة بختم كتاب الله مرة واحدة كحد أدنى، فلو قرأنا كل يوم ما لا يقل عن 3 أجزاء نكون قد ختمنا كتاب الله في هذه العشر المباركات، ومن زاد فهو خير له.
الصيام.
وهو يدخل في عموم الأعمال الصالحة، بل هو من أفضلها، ويكفي الصائم شرفاً أن هذه العبادة أضيفت إلى الله جل في علاه لعظم شأنها وعلو قدرها، فقال سبحانه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) “متفق عليه”، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» “متفق عليه”.
إقامة الصلاة.
لم يرد لفظ الأمر بالصلاة في القرآن الكريم بمجرد “صلوا” بل أتى دائماً بصيغة (وأقيموا الصلاة) حتى يؤديها المسلم بأكمل صورها وأفضل هيئة وطريقة لها، فالمؤمن الباحث عن الثواب في هذه الأيام المباركة يحرص على أداء الصلوات الخمس في المسجد وفي الصف الأول ويحرص كل الحرص على تكبيرة الإحرام.
التكبير.
التكبير نوعان: مطلق ومقيد.
والمطلق يبدأ من اليوم الأول من أيام ذي الحجة وينتهي في الثالث عشر من ذي الحجة، ويسن فيه كثرة التكبير في جميع الأحوال والأوقات دون تخصيص.
أما المقيد وهو الذي قُيّد بأدبار الصلوات ويبدأ من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق (رابع أيام العيد) بالإضافة إلى التكبير المطلق.
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) [رواه أحمد]، وكان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها، وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً.

الصدقة.
وعند الحديث عن الصدقة علينا أن نكون على يقين بأن المال الذي نخرجه في سبيل الله لا تنقص مالنا ولا يُضَيّعه، بل يطرح فيه البركة ويزيده وينمّيه ويعود علينا بأضعاف مضاعفة في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) وقال صلى الله عليه وسلم (ما نقصت صدقة من مال) “رواه مسلم”.

قيام اللّيل.
الحريص على الأجر والثواب لا يترك ليلة من هذه الليالي المباركة إلا ويصلي فيها أربع ركعات أو يزيد من قيام الليل بعد صلاة العشاء، فصلاة القيام شرف المؤمن، فاحرص قبل أن تنام ألا تبخل على نفسك بخمس دقائق تصلي فيها أربع ركعات من الليل ويا سعد من استطاع أن يزيد.
قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ أَنَاءَ اللّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، إِنَّمَا يَتَذَكّرُ أُولُو الألْبَابِ ﴾.

وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام بالإضافة إلى ما ذكر، فالمؤمن الحريص يبحث عن كل فرصة تقربه من الله وكل طاعة يرضي بها مولاه، ويجعل لنفسه حظا من عبادة من العبادات كما قال ابن القيم –رحمه الله-: “اضرب مع أهل كل عبودية بسهم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.