ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

غُربة مُعاكِسة!

منذ فترة تعرّفتُ على شابٍ سعوديّ عشريني، وبعد محادثةٍ صغيرةٍ بيننا اكتشفتُ أمراً غريباً -بالنسبة لي حينها- وهو أنّ جدَه لأبيه كان قَد سافر لفلسطين-غير المحتلة وقتها- في صغره ليعملَ في يافا الجميلة أيام الفقر والقفر في أرض الحجاز!

تزوج جدّه فلسطينيةً وهناك أنجبَ والدَه، وبهذا كان والدَه فلسطينيّ المولد أيضاً.. دارت الأيام وعادوا للسعودية. هنا إنتهت قصته اللطيفة وتبدأ قصتي..

فكّرتُ مليّاً وأُبحرتُ في الذاكرة حين أسمعني قصته القصيرة تلك.. كيف كانت فلسطين التاريخية وشاطئها وِجْهَةً للزراعة والتجارة تحديداً تصدير الفواكهة المتنوعة والحمضيات -البرتقال على وجه الخصوص- فكما هو معروف يافا أرضُ البرتقال..

حوض البحر الأبيض المتوسط ومكنوناته الغالية وأرضه الخصبة وموقعه الإستراتيجي جعله هدفاً دوماً للسيطرة والإحتلالات، فكيف وإنْ كان الموقع هذا زاد أهميةً بكوْنِه مربِطاً للعالم القديم ببعضه ومُشرِفاً على الموانئ بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.. حيثُ كان كل الشاطئ الفلسطيني ممراً للسفن الصادرة والواردة المحملة بالخيرات منها وإليها، وهذا يجعله بطبيعة الحال مُوفّراً للوظائف والأشغال، لكن لم أكن أعلم أنّها ستصل لكوْنها مركزاً ووجهةً للعمالة العربية في حينها أيضاً!

هكذا هي الدنيا تدور وتدور وتجدُ نفسَك مكانَ غيرِك وغيرُك مكانك..

 

في هذا الصدد أتذكرُ جدَّ أمي لأمِّها، حيثُ كان تاجراً كبيراً مالِكاً لمطاحنَ وبياراتٍ من البرتقال وكان من وجهاء يافا وكِبارها..

يتهللُ أمامي الآن وجهَ جدتي بلكنتها اليافاوية الأصيلة -والتي لم يقدر التهجير والمجازر والوجع على أن يسرقَها منها أو يغيّرها فيها- وهي تصفُ لي تلك الأراضي وما كان يجلبُ أبوها لهم من أفخر أنواع الأقمشة ليفصّلوا ملابس وفساتين مميزة كما في دور الأزياء الباريسية-كل مدن الشواطئ عادةً تكون في حالةٍ من الزهو والرقي المتواصل مع العالم الخارجي مقارنةً بغيرها من المدن- ولا أنسى وصفها للبزورات مما يجلبُه لهم في شوالات من اللوزٍ والفستق وكل ما لذّ وطاب.

كانت تقول أيضاً أنهم حينما بُلّغوا بضرورةِ الخروجِ من يافا “يومين ثلاثة” على أعلى تقدير ليتسنى للجيشِ العربيِّ مقاتلةَ عصابات الصهاينة الغاصبة التي كانت قد فعلت العجائب من المجازر في محيط يافا والشاطئ الفلسطيني بقٌراه ومدنه، فما كان من والدها سوى ترك كل أمواله الخاصة وأموال الأمانات التي لديه -ممن يثقون به ليحفظ لهم في خزانته من أموال وصكوك وحقوق- وفقاً لكونهم راجعون ولن يطيلوا المغيب.. حتى ملابسهم وأغراضهم تركوها مكانها وخرجوا بملابسهم التي عليهم فقط ليصحوا بعدها على هزيمة وترحيل وتهجير أوصلَهم لمدينة نابلس !!

فكانت النتيجة أنّ مَن إعتاد أنْ يكون واجهةً للبلد لن يحتمل كل هذا الخذلان فمات قهراً وعجزاً، ومن يومها لليوم لم ينتهِ هذين “اليومين ثلاثة” ليعودوا أرضَهم!

 

هاتان القصتان تتجمعان في سخريةٍ ماجنةٍ أمامي مع كل الأحداث الحالية والإتفاقيات الآنية والصداقات الممتدة مع “دولة” غاصبة محتلة من تحت الطاولة وفوقها، فحين مَلَكَت السعودية وغيرها المال وارتفعت أسهم النفط وتلاشى عنهم القفر باعوا الأرض التي عملوا بها يوماً وتزوجوا منها وباعونا معها.. ولتكتمل أركان المصيبة إنّ كثيراً منهم اتهمونا بالخيانة جهلاً وظلماً وبهتانا!

فلا تعلم ما عليك قوله وشرحه وتفسيره لكي تبرأ لهم بوجعك القديم المُتجدد, وما عليك فعله لتُفعّل فيهم خاصية المعرفة والحق بما لك ولهم وما عليك وما عليهم!

معركة وعيّ وعقيدة يجب خوضها ومن ثم الإنتصار بها.

 

وفي النهاية تأخُذك نظرةٌ خاطفةٌ سريعةٌ للوراء تجد أن التاريخ غريب!

ويمكنه أن يُفاجئك في كل حدثٍ وفي كل تفصيلةٍ، وحين يدور ستجد أنك في مكانٍ مغايرٍ لما كنتَ تظنّه مكانك.

وأنه أحياناً تلزِمك المفاجأةُ على الوقوف مشدوهاً أمام الموقف أو الحرف أو التهمة أو الحدث, فتدور في مخيلتك نقاشاتٍ وسِجالاتٍ ضخمة ومن ثم لا يتولّدُ عنها سوى الصمتُ المطبق واللجوء لهزّ الأكتاف نافياً قدرتك على الكلام بما يناسب هذه الهالة من الجهل والألم معاً!

قفوا فإنكم مسؤولون.

تعليق 1
  1. أريج يقول

    كلمات نُسجت من الألم لكن عمّ الجهل فمن سيُبرأ وجعنا ذات يوم !.. 😔
    أبدعتي سماء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.