ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

لماذا نتعلم في الجامعات؟

بات من الواضح في الآونة الأخيرة أن حوارات عميقة تدار في صالونات بيوتنا، يتساءل فيها المتحاورون عن الجدوى من التعلم واهدار المال والوقت في الجامعات للحصول على شهادة ستعلق على الجدران وسينطلق حامها ليعمل في أعمال أخرى لا تحتاج لكل ذلك التعب الذي قضاه في التعليم الجامعي.

ويبدو النقاش أكثر احباطا عندما يتم المقارنة بين ما يتقاضاه المتعلمون وما يتقاضاه العاملون لدى العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، فيومية العامل هناك تصل أحيانا لثلاثة أضعاف يومية أستاذ الجامعة، ولا نريد أن نقارنها بيومية الأستاذ في المدارس الحكومية حتى لا ننهي الكتابة في هذا المقال.

هذه النقاشات تبرز للسطح في كل عام مع ظهور نتائج الثانوية العامة، تلك النتائج التي ينتقل بعدها الطالب من حياة الى حياة أخرى تحدد مسيرة حياته، فيبقى الطالب حائراً أمام كل ما يقال أمامه من سوء حال المتعلمين ويرى أن جاذبية العمل والمال تغريه حتى لا يتعب نفسه في مسار الجامعات التي يتمتع خريجوها ببطالة عالية، ووضع اقتصادي سيء بعد كل ما صرفوه على التعليم وبعد كل تلك السنوات التي كان من الممكن أن تكون سنوات عمل وتحصيل للمال.

هي سنة الله في أرضه بتوزيع المهمات بين الناس، فلولا الذين اتجهوا للحياة العملية لما أكلنا وشربنا، ولولا أصحاب العلم لما تقدمنا وتطورنا، فالمفاضلة عندما نتحدث عن التعليم لا تعني بأي حال من الأحوال انتقاص من لم يتجه لطلب العلم إنما هي وضع للنقاط على الحروف ومحاولة لرسم الأولويات واستشراف ما يمكن لأبناء الأمة أن يصنعوه لإعادة مجد هذه الأمة.

عند حديثنا عن طلب العلم، وعند إجابتنا عن السؤال المطروح:

لماذا نتعلم؟

نستذكر أول شيء قوله تعالى ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ) {الزُّمر:9}، فالعلم بلا أدنى شك يرفع صاحبه لدرجة أعلى من درجات من ترك العلم، والعلم هو وسيلة الإرتقاء والتطور ولولاه لما تقدمت حياتنا ولما وصلنا الى ما وصلنا اليه من استخدام للتكنلوجيا وكل وسائل الحياة التي أسهمت في راحة البشر ونشر الرفاهية بينهم.

المفاضلة اذن في الحديث عن العلم لا تكون بالتعامل مع العلم كمصدر لتحقيق المال؛ فأحيانا كثيرة تصبح تلك المفاضلة مبتورة ولا تعطي مؤشرا حقيقيا، إنما المفاضلة ما بين خياري التعلم أو عدمه تكون بنظرة شمولية تقيم ما هي النتائج المترتبة على التعلم على المستوى العام وما هي النتائج الكارثية المترتبة على الجهل وترك العلم لو قرر كل الشعب ذلك.

وهنا يكمن السر، فان كنت تنظر لنفسك أنك إنسان لك وزنك وتريد أن تسهم في صناعة حضارة أمتك فعليك بالإلتحاق بالعلم، فالعلماء والمفكرون هم الذين يرسمون السياسات العامة ويخططون ويصنعون تفاصيل حياة البشرية، العلماء هم الذين يسهمون في تطوير أدوات الحياة ونقل البشرية من مرحلة الى مرحلة أعلى وأجمل.

ولعلك تقول أنني أريد أن أعيش انسانا عاديا، وليس لدي طموح بأن أسهم في قيادة مجتمعي أو البشرية، انما أريد أن أحصل مالا وأعيش برفاهية، وهنا نقول لك أن العلم يسهم في نقل تفكيرك نقلات نوعية فتصبح أكثر وعيا في التعامل مع متغيرات الحياة، بالعلم تصبح أباً أو أما لديهم قدرات أعلى على التعامل مع أبنائهم وصناعة مستقبلهم، بالعلم تستطيع أن تطور من أعمالك وأن تسير في دروب الحياة وأنت على نور واثقا مما تقوم به، قد لا تعمل في نفس مجال دراستك لكن بلا شك فإن العلم الذي حصلت عليه واحتكاكك بأساتذتك والطلبة سيسهمون في صقل شخصيتك وتطوير تفكيرك بما يخدم طموحاتك وصناعتك لمستقبلك.

أخيرا ستتعب نفسك وأنت تنظر الى قريبك المليونير الذي لم يتعلم وتود أن تسلك طريقه، صدقني هي أرزاق وأنت لا تعلم ما يخبؤه لك القدر فقد تصبح مثله إن تعلمت وقد تبقى أجيراً عنده مدى الحياة إن لم تتعلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.