ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

جثامين الشهداء.. الثورة المنسية

تعزز تحركات أهالي الشهداء للمطالبة باسترداد جثامين الأحرار من ثلاجات ومقابر الاحتلال معادلة صمود وتجديد ثورة منسية على مدار عقود من الزمن إما تجاهلا وأما جهلا بواقع الألم المتروك في قلوب أمهاتهم، نحن ندرك جيدا أن الروح في السماء ولكننا نعلم أكثر بأن المقاومة لا يحدها سقف الاحتلال وقوانينه فوفاء الأحرار للشهداء أن يعيدوهم إلى تراب الوطن إكراما وهيبة لهم وكسرا لعربدة الاحتلال.

يا سادة يا كرام إنها العقوبات الجماعية التي يمارسها الاحتلال عنصرية من قبله وتزداد وتيرتها صمتا يدلل على عدم مقاومة من عندنا، فنماذج الصمود أثبتت أن لا صوت يعلو فوق صوت الحق والقوة؛ ولننظر جيدا إلى صفقات التبادل للأسرى لم ينعم أسرانا بالحرية إلا حينما كان صوت القوة يغلب، وما نعم جل الشهداء بدفنهم في تراب الوطن وخاصة في انتفاضة القدس لولا أن صوت الشارع غلب، ولم ينعم أسرى الاعتقال الإداري بالانتصار لولا الأمعاء الخاوية، وما رأينا لجم شهوة القتل والقنص والقصف في غزة إلا بعد أن رأى الاحتلال حجم الفاتورة، وعلى كل الأحوال هي المقاومة ومن اسمها نستنتج أنها أقل عددا ونوعا وكمّاً.. هكذا التاريخ لكنها أقوى إرادة ولديها حاضنة شعبية تسندها.

من هنا جاءت فكرة أهالي الشهداء أن يجوبوا الميادين رفضا لسياسة الاحتلال ولسان حالهم يقول الشهداء أقمار ولا يمكن للعقوبات الجماعية أن تمحو ضيها ونورها الذي ينير الطريق، ولأن الاحتلال غبي في التعامل مع الإرادة الفلسطينية يستخدم وسائل الاعتقال والهدم والمنع من السفر والإخطارات والتضييق في العمل واحتجاز الجثامين وسرقة الأموال كلها وسائل حولها أهالي الشهداء والأسرى إلى مادة مهمة إعلامية ذكّرت العالم بإجرام الاحتلال بل وعززت ثقافة الشهداء،

وها هو مصباح أبو صبيح وأبو سرور والفقيه وجرار وعطا وعنكوش وقنبر وعويسات وعورتاني وكل شهيد في الضفة والقدس وغزة يظهر بصوره في الميادين مذكّراً الجماهير بفعاله ويصر أهالي الشهداء من خلال مسيراتهم ووقفاتهم على عدة أمور:

* تذكير الشعب بأبطاله ووضعهم أمام مسؤولية الحفاظ على وصاياهم أن لا تبديل ولا بديل ولا هوان.

* فضح جريمة الاحتلال التي تخالف كل الأعراف والقوانين السماوية والأرضية الرامية إلى منع احتجاز أو التمثيل بجثامين الذين قتلوا مهما كانت الظروف، وبالتالي يفضح أهالي الشهداء الجريمة ويحرجون العالم بأسلوبهم البسيط غير المكلف الذي تعجز عنه مؤسسات ولها موظفون وميزانيات وعلاقات دولية ومحلية.

* إبقاء ديمومة الثبات حاضرة والعمل على مواجهة مشروع التطبيع الذي يحاول الاحتلال من خلاله مسح مجازره وحروبه وقتله وحرقه للأطفال والشيوخ والنساء وإبادة عائلات كاملة بصواريخه من ذاكرة الشعب التي يعمل الكثيرون على شطبها وتحويلها إلى متلق ومهادن ومروض.

* تعزيز نظرية “ما بضيع حق وراه مطالب” تلك التي أدخلت الفرحة على قلوب العشرات من الأمهات حينما قطفن ثمار جهودهن وسيرهن في الميادين والشوارع والجامعات مطالبات باستعادة جثامين أبنائهن وبالفعل انتصرت إرادتهن التي كانت تحمل شعار “لا للمستحيل”، كما أن تلك الخطوات من أهالي الشهاء تقيم الحجة على العاجزين والمرجفين والمتساوقين مع سياسة الترويض المتبعة بحق الشعب.

* إن كانت هناك عقوبات جماعية يصر الاحتلال على ممارستها بحق الشعب لتركيعه فمن البديهي والطبيعي من الشعب وفصائله وسلطته أن تكون لهم سياسة المواجهة والمقاومة ورفض الذل والترويض وهذه المعادلة تقودنا إلى خاسر ومنتصر؛ ودوما لم يسجل في التاريخ أن الشعب يخسر بل الشعب يظلم ويقهر ويدفع الفاتورة لكنه ينتصر، فهذا خيار وسلوكه صعب ولكن نتيجته مشرفة، وإما أن نتحول إلى إمّعات وتصبح النطيحة والمتردية والخراف تقودنا إلى مذبحنا ونحن نبشر بأعظم النصر الوهمي.

لذلك استعادة الجثامين واجب علينا جميعا وتعزيز ثقافة رفض العقوبات الجماعية واجب أهم لأن البديل إذلال وهوان وخسائر متصاعدة، ولذلك كل منا عليه دور؛ وأقل تلك الواجبات أن نغير هذا الاحتلال والمنكر في قلوبنا وذلك أضعف الإيمان والمقاومة، أما أن يتحول حال بعضنا إلى مسوق للهزيمة ومثبط للعزيمة فلن يقبل الشعب تلك الأصوات النشاز التي تغطي خيانتها أو جبنها بعبارات إنسانية تارة أننا نخسر وتارة هي معركة خاسرة وتارة الاحتلال بات العرب معهم وتارة الروح في السماء وتارة الإضراب انتحار وتارة المسيرات مهلكة وتارة اقتصادنا هو مقاومتنا وتارة جمالية شوارعنا هي ثباتنا وغيرها من العبارات التي منها ما هو حق ولكن يراد بها باطل.

* لسنا أحرص على الحياة من الاحتلال ولكن انظروا يجند شبابه ونساءه في الجيش ويدربهم على قتلنا ومدنيوه يحرقون أطفالكم بل وأطفالهم باتوا يتعلمون في مناهجهم كرها متصاعدا ضد الآخر ويقتحمون الأقصى لتعزيز خرافاتهم فماذا نحن صانعون.

استعادة الجثامين فكرة تعني استعادة الهيبة والروح والكرامة وتكريم للأبطال ورفض للذل والهوان ونسف للتطبيع والترويض ولعنة على الصامتين والمتراجعين وهدية شعب لقلوب تذرف الدموع ليل نهار ولا يعلم بهذا الشعور إلا من اقترب من هذا الوجع وعرف كم نحن مقصرون مع من فقدت فلذة كبدها ليعيش أبناؤكم واحترق قلبها ليشفى غليلكم وأنهكت قواها ليقوى وطنكم، ألا تستحق منكم وقفة عز تسدون بها بعضا من فاتورة ضميركم؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.