ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الدولة اليهودية والعناية العربية الغربية

بدأت الحكاية منذ رسو القارب الأول على شواطىء يافا الفلسطينية حاملاً معه بعض المشردين اليهود من أوروبا، لقد كانت هذه الأقليّة من اليهود هي أول من يحمل راية الدولة الموعودة، والمخطط لها منذ مئات السنين، بدأت ديموغرافية اليهود في فلسطين منذ إعلان أول مستوطنة يهودية عام ١٨٧٠ باسم “مكفا إسرائيل”، وتعني: أمل إسرائيل .
تبعها بعد سبع سنوات مستوطنة أخرى وهي: بتاح تكفا، وتسمّى أم الموشافوت، أي”أم البلدات اليهودية” واستمرت مسيرة اليهود بإنشاء المستوطنات واحدة تلو أخرى في مرحلة القرن التاسع عشر لتصل إلى اثنين وعشرين مستوطنة يهودية على مدى 418 ألف دونم فلسطيني.
وهنا بدأت تظهر معالم تفشي السرطان الصهيوني بشكل واضح في فلسطين.
فقد تولت تلك المستوطنات اليهودية عمليات السيطرة والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بكل الوسائل المتاحة سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة، كالشراء أو الاستئجار بأسماء عربية و أجنبية. وفي تلك الفترة تم إنشاء مؤسسات صهيونية، مهمتها هي تنفيذ و دعم الخطة الاستيطانية، ومن بين تلك المنظمات: الوكالة اليهودية التي صدرت عن المؤتمر الصهيوني العالمي الأول عام 1897م، والشركة الإنجليزية الفلسطينية والصندوق القومي اليهودي وصندوق التأسيس اليهودي والجمعية اليهودية للاستيطان.
وعند دخول القرن العشرين بدأت المرحلة الذهبية للاستيطان بحسب التسمية اليهودية، فأصبح لهم قوة على الأرض الفلسطينية بدعم بريطاني بعد سقوط الدولة العثمانية وتصريح بلفور لإقامة الدولة اليهودية، والذي أعتبر بدوره نقلة نوعية ؛ ولم يعد إقامة الدولة على عاتق اليهود وحدهم بل أيضاً على بريطانيا وفرنسا التي أصدرت بدورها وعد “كمبن” الذي ينص على إقامة دولة يهودية في فلسطين.
 
في تلك المرحلة دمج الانتداب البريطاني وعد بلفور مع صك الانتداب على فلسطين، حيث تلزم المادة السادسة بريطانيا بتسهيل نقل المهاجرين اليهود من أوروبا إلى الأراضي الفلسطينية، حيث كان ضمن بنود الصك قرارات ساعدت اليهود على سهولة الاستيلاء والاستيطان: كقرار نقل الملكية للمنظمات اليهودية، وقرار منح ١٧٥ ألف دنم تحت سيطرة المنظمات اليهودية بحجة إقامة اللاجئين اليهود عليها، مما أدى الى اندلاع ثورة فلسطينية في عام ١٩٢١م لإسقاط كل تلك القرارات التي صدرت من الانتداب البريطاني.
 
إنّ تصريح بلفور كان هو السبب الرئيسي لتقوية الجسد الصهيوني ليس في الأراضي الفلسطينية فحسب بل في المنطقة العربية جمعاء .
وما زال السرطان الصهيوني يتمدد في معظم الدول العربية اقتصاديا وفكرياً وإجتماعياً ، وإني متيقن بأن للوعد باطن أعمق من ظاهره. فالظاهر في نص الوعد هو “إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي” لكن الباطن هو إقامة قاعدة صهيونية على أراضي فلسطينية تتوسع من خلالها في كل رقعة عربية على الصعيد السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي والتراثي.
 
فلو نظرنا في كتاب “الدولة اليهودية” لليهودي تيودور هرتزل مؤسس العقيدة الصهوينية، فسنجد أن الدولة اليهودية مساحتها الجغرافية أضعاف أضعاف مساحة أرض فلسطين. لذلك ما ذكر في الوعد يتناقض تماماً مع ما قاله هرتزل و حاييم وايزمان وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا الوعد المشؤوم ما هو إلا تمهيد لإنشاء قاعد عسكرية ومنبر سياسي لاحتلال المنطقة العربية بأكملها، وللإعلان عن دولة نرى خريطتها على العلم الإسرائيلي، وبعد تثبيت قواعد الإستيطان على الأراضي الفلسطينية بدأ اليهود بالإستيلاء على الموارد الفلسطينية والمؤسسات الخدمية والأماكن الدينية والثقافية.
ففي عام ١٩٢٣ تمت السيطرة على شركة الكهرباء في مدينة حيفا والسيطرة على المصادر المائية في الشمال الفلسطيني منذ الفترة الأولى من وصولهم حيث تم إنشاء أول شركة مياه إسرائيلية “مكوروت” في عام ١٩٢٨، ولم يقتصر مشروعهم السرطاني على السيطرة الاقتصادية فقط؛ بل إن الجانب الثقافي لم يسلم أيضاً؛ فقد استطاعوا من الوصول إلى المسارح الثقافية ودور السينما في مدينة يافا وحيفا، ولم يعد هناك أي نشاط ثقافي إلا ومن ورائه المحرّكات اليهودية التي تكتب السيناريو وتحرك المشهد بما يتوافق مع مخططاتها.
 
وللأسف فإن شعبنا الفلسطيني في تلك المرحلة كان ينقسم إلى قسمين:
القسم الاول كان يشعل الثورة تلو الثورة أمام الانتداب والخطط الصهيونية، ولكن القوة البريطانية كانت حريصة على إخماد الثورات وملاحقة مشعليها.
أما القسم الثاني فقد كان مغيباً عن التغيرات السياسية في المنطقة؛ بناءً على افتراض حسن النية تجاه بعض اليهود على أنهم لاجئين من الحرب ويتوجب مساعدتهم لتخطي معاناتهم، وعلى الرغم من أن السياسيين العرب والفلسطينيين منهم خاصة كانوا يحذرون آنذاك برسائلهم بشكل مستمر شعبنا الفلسطيني من الخطط الصهيونية، إلا أنه وللأسف فالجميع كان مغيباً عن ذلك، فقد كانت الدعاية اليهودية أقوى بكثير من أي دعاية في الاتجاه المعاكس، وقد استخدموا العاطفة الشعبية لإظهار اليهود على أنهم لاجئين لفلسطين نتيجة الحروب الدامية في أوروبا واضطهاد الشعوب لهم، وليس للسيطرة على فلسطين كما يقول بعض “المخربيين”، وبالفعل نجحت تلك الدعاية الكاذبة.
 
وفي الفترة مابين عامي ١٩٣٦ إلى ١٩٣٩ بدأت ذروة الهجرة اليهودية؛ حيث تم إنشاء خمسة وخمسين مستوطنة يهودية وكان أحد أبرز أسباب تزايد الهجرة هو دق طبول الحرب العالمية الثانية، والتي تزامنت مع الدعاية اليهودية حول فكرة الأرض الموعودة من الله للشعب اليهودي المختار، وكان من أهم تلك الأسباب هي طرح مبادرة تقسيم الدولة في عام ١٩٣٧ من قبل لجنة بيل البريطانية، والتي نصّت على تقسيم فلسطين إلى قسمين يهودي وآخر عربي، حيث تم إعلان هذه المبادرة نتيجة الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام ١٩٣٦، وكانت هذه الثورة هي بداية إعلان الكفاح الفلسطيني أمام الانتداب البريطاني والاستيطان اليهودي في فلسطين.
لم تعطي الدول العربية أي اهتمام لمبادرة تقسيم الدولة فقد ظن الجميع آنذاك أنها محض أوهام يهودية.
وللأسف أصبحت تلك الأوهام حقيقة؛ ففي عام ١٩٤٧ صوتت ثلاثة وثلاثين دولة من أصل ستة وخمسين من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية وانسحاب القوات البريطانية منها. وقد أعطى قرار التقسيم 55% من أرض فلسطين للدولة اليهودية. وهنا بدأت حكايتي النضال العربي والإسلامي فلم يعد الأمر أوهاماً كما كان يظن العرب عامة والفلسطينيون بشكل خاص .
وإن كل تلك الوعودات و القرارات و الخطط لم تخضع و تمنع شعبنا الفلسطيني العظيم أن يكون مشاهداً للحدث فقط؛ فالثورة الفلسطينية شكلت عائقاً كبيراً على الخطط الصهيونية منذ مراحلها الأولى على الرغم من أن الحركة الصهونية كانت هي الأسبق بالسيطرة دائماً، إن تلك الوعود و الاتفاقيات و القرارات الدولية وحجمها و تأثيرها من وجهة نظري ما هي إلا قشة بين كل الاتفاقيات الصهونية في المنطقة، فالحقيقة أن هذه القشة لم تكن هي التي قصمت ظهر شعبنا؛ بل إن الأحمال الثقيلة هي التي قصمته، فتلك الإتفاقيات العربية الإسرائيلية هي التي ساعدت في زيادة الضغوطات على الشعب وشرعنة الدولة اليهودية على أرضنا، ففي ذلك الحين كان هناك دول عربية تمارس الحب مع الإحتلال من تحت الطاولة وأخرى من فوقها فمنذ اتفاقية “فيصل-وايزمان” في باريس عام ١٩١٧ والتي نصت على إنشاء مجتمع يهودي للتعايش في فلسطين حتى اتفاقية “كامب ديفد” عام ١٩٧٨ التي كان من أحد نصوصها التنازل عن فلسطين بشكل رسمي.
 
لقد بدأت الأحمال تزداد يوماً بعد يوم على الثورة الفلسطينية، ورغم تلك الظروف استمر كفاح شعبنا العربي والإسلامي في كل رقعة من هذا العالم ولم تتوقف العاصفة الثورية التي تحمل البندقية،
حتى حصلت الطامة الكبرى حينما أتت العاصفة السياسية التي أثقلت كل ذلك الكفاح بحمل جديد على ظهر قضيتنا وثورتنا ألا وهي: اتفاقية “أوسلو” البغيضة.
فهذه الإتفاقية كانت السيف الحازم الذي اخترق أضلاع شعبنا ومقاومته ومهّد لشرعنة المحتل لتغير المقولة ضمنياً وتصبح “معاهدة من الذي يملك لمن يستحق” ضمن نصوص الاتفاقية.
نعم إن إتفاقية أوسلو كانت من النكبات الكبرى على الأمة الاسلامية والعربية وعلى الشعب الفلسطيني بالأخص، عندما تنازلت هذه الاتفاقية عن حق شعبنا وحق العودة للاجئين في الشتات، وحين اعترفت بكل تلك المستوطنات التي أقيمت على أرضنا منذ ١٨٧٠ حتى يومنا هذا، ولم يعد هناك ما يمثل الثورة الفلسطينية سوى المحاكم الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي شرعنت وجود الدولة الصهيونية بالمقام الأول.
لقد أخمدت تلك الاتفاقية شعلة ثورتنا وتنازلت عن البندقية التي هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفسطيني، وأصبح كل من يحملها هو خائن بموجب قانون السلطة الفلسطينية.
 
أنا لا أزال مؤمناً بالقوة الشعبية والثورة الفلسطينية على الرغم من كل هذه الأحمال الثقيلة، فما يزال هناك أحرار لا نرى في أعينهم سوى فوهة البندقية والتشبث بالعودة المقدسة للأرض المسلوبة بسبب كل تلك الاتفاقيات والتصريحات التي لا تمثّل إلا أصحابها.
إن دورنا الحقيقي كشعب فلسطيني اليوم هو إستئصال سرطان أوسلو وأخواتها من ثورتنا؛ لنعيد لعقيدة البندقية مكانتها ونزرعها في النفوس من جديد، نعم يا أعزائي إن زوال أوسلو هو من صور بداية زوال الاحتلال بأعوانه وحاشيته واتفاقياته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.