ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

قراءة في كتاب معاناة وامل

قرأت لكم

من كتاب: معاناة وأمل

مجموعة قصائد حوارية

صدر هذا الكتاب عام 2018

للشيخ المرحوم سعيد بلال ونجله معاذ

كم سمع المرء عن نماذج من الصحابة الكرام قدمت كل ما تملك في سبيل الله مستحضرين قول الله تعالى “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة”، فأقدموا إلى ميادين التضحية والفداء حتى خُلِّدَت أسماؤهم في صفحات التاريخ، نحن اليوم أمام شخصية معاصرة قل من لا يعرفها فما قرأتُ كتابا تحدث عن نشوء الإخوان في فلسطين إلا وكان اسمه من أول الأسماء المذكورة، شهدت له ميادين المقاومة، كما شهدت له ميادين السياسة والدعوة.

الشيخ سعيد بلال، ولكل من اسمه نصيب، يلقاك بابتسامته الصادقة كأب حنون وشيخ وقور سعيد المحيى طلق الوجه، وكان في صبره بلالا، صامدا في وجه الابتلاءات متمسكا بمبادئه حاملا هم الأمة على اكتافه، داعية محنكا ومثقفاً فصيح البيان، وأديباً جميل اللسان، يحمل هم الأمة بين ضلوعه، برز في شتى الميادين، كان سباقا دوما حتى أن أول تنظيم إسلامي عسكري أنشى في الداخل المحتل كان هو أحد أركانه وقد اعتقل عند الاحتلال على خلفيته وخضع لتحقيق قاس لم يستطع الاحتلال خلاله نزع اعتراف منه.

ذلك الشيخ الجليل، ربى أبناءه على أن الوطن هو الحياة، وتحريره هو الغاية، فخرج من عرين هذا الأسد أسود، أذاقوا المحتل طعم الموت والانكسار،  بكر وعمر ومعاذ وعثمان وعبادة، كلهم اعتقلوا وكلهم أوذوا في سبيل الله، بكر ذلك الرجل الذي قاوم بصمت حتى توفاه الله ساجدا، وعمر اعتقل عدة مرات عند الاحتلال، معاذ وعثمان أبطال القسام وقادة خلية شهداء من أجل الأسرى الأسود الرابضة خلف القضبان، وعبادة المبعد إلى غزة.

في خضم هذه المحن وهذه الابتلاءات كان الشيخ يبث زفراته أبيات من الشعر الصادق يرسل بعضها إلى أبنائه تحمل شوقه ولهفته، ويحتفظ ببعضها في دفتره الذي لا يفارقه، يؤرخ لما تعيشه عائلات فلسطين من قسوة الاحتلال، وجور المحتل، وعزة المؤمن وثقته بالنصر، ويأتيه الرد أبيات من الشوق والحنين من إبنه الأسد الرابض خلف القضبان معاذ، فتتعانق القصائد وتنسج ديوانا قلما ترى قصائده تعبق صدقا وتتدفق وفاءً.

فخرج علينا هذا الديوان وكان لا بد أن يكون هذا اسمه، فهو ولد من رحم المعاناة ولكنه يحمل الأمل بين جنباته فكان معاناة وأمل ، نعم لقد أطلت عليكم في مقدمتي لكن هذا الديوان حريٌّ بأن يحفظ في مهج العيون فهو كلمات لا يدخلها زيف ولا نفاق فيه الشوق واضح والحنين باد والصمود والكبرياء أساس، يبدأ الديوان بقصيدة لمعاذ يبث والده شوقه يحدث اشعاره في وحدته

 

يا شعرُ أنتَ ترنمُ الوجدانِ .. ورسالـةُ التّـاريخِ للأزمانِ

وهديةُ الإنسانِ بعضَ صفائه .. وجمالُ حكمتِهِ إلى الإنسانِ

يا شعرُ هل أرّختَ عن أخبارِنا .. هلّا رسمتَ بريشةِ الفنّانِ

 

لينتقل بعدها إلى الحديث عن التهويد واغتصاب الأرض من المحتل فيقول:

ها أرضُنا سُلبت ودنس طهرها .. والأرض من فرط العذاب تعاني

مُلِئتْ جبالُ القدسِ باستيطانِهم .. لم تنتفعْ من كثرةِ التّيجانِ

ويستذكر البيت الذي كان يجمعه وإخوته ووالديه فيقول:

ومضيت بالذكرى لبيتٍ ضمني .. مع إخوتي في أجمل الأزمانِ

فالبيتُ كان يُضاءُ مِنْ أبنائِهِ .. نعمَ الشبابُ الغَضُّ كالرَّيحانِ

لينهي قصيدته بسؤال والده وقد اعتصره الشوق فيقول:

يا لائمًا ضعفي وقلَّةَ حيلتي .. وتدفّقَ الدمعاتِ من أجفاني

أتلومني بعدَ الذي عانيتُهُ .. بمرارةٍ وتوجّعٍ أضناني

أبتاهُ هلْ إنْ متُّ أحظى باللقا .. مع إخوتي في جنّةِ الرّضوانِ؟

 

فيرد الوالد الواثق بالله بأبيات أسماها ترانيم إلى ولدي فيقول في مطلعها وليكون الرد حاسما:

مهلا بُنيَّ… فتلك بعض وساوسٍ .. رسَمت مخاوفها يد الشَّيطانِ

لا تنسَ أنَّ اللهَ عَدْلٌ دائمٌ .. واهدأْ بنيَّ، فسيرنا ربّاني

إنْ ضاقت الدّنيا فقلْ يا خالقي .. رحماك يا ذا الجودِ والإحسانِ

رزقِ الإلهِ مُقدَّرٌ لعبادِهِ .. سبحانك اللهمَّ من نقصانِ

ورجوتُ عيني أن تجودَ بدمعةٍ .. لكنَّ دمعيَ في الخطوبِ عصاني

يا شعرُ إنَّكَ دمعتي في محنتي .. وذخيرتي المُثلى لدى الأشجانِ

فلجأتُ للشعرِ المريرِ أصوغُهُ .. إنّ المرارَ يُصاغُ من ألحاني

وتستمر الحوارات بين الوالد وولده عبر مراسلات على جناح الشوق، فلا تكاد تبدأ قراءة القصائد حتى تشدك إلى إنهائها لما تحمله من معاني تقطر صدقاً وعاطفة، لذلك لن أسرق منكم لذة الإبحار في أبيات هذا الديوان، وأكتفي بما أسلفته لأترك لكم أيها الأحباب أن تخوضوا في عباب بحور هذا الديوان وتقطفوا من درره وتتمعوا بمعانيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.