ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مؤيد الجلاد… أسير قيد ذكريات الأسر والحرية

مؤيد الجلاد أسير كرمي أربعينيّ العمر, نال حريته بصفقة وفاء الأحرار لمقاومة إسلامية فشاء القدر أن يحيا بولادة جديدة ولادة السعادة والحرية والفرح في قلب كاد السجن أن ينسيه طعم الحياة, بعد ليالِ سبعة عشر عامٍ عجاف, فقسمت ظهر الشوق باللقيا، فلا بُد للقيد أن ينكسر ولا بد للظلم أن ينجلي.

استذكر مؤيد عواطفه واستجمع خيوط الذكريات ناسجا في خياله لياليه الماضية، فبدت العيون لامعة, وتشاحنت مشاعر الشوق لوالدة توفاها القدر بعد حرية دامت خمس أعوام وإنجاب أحفاد حملوا اسم الأسير والقضية، أسير ملأ التفاؤل قلبه فأحب الحياة بعد عتمة السجن, واصفا الأسرَ بالدورة الروحية فكُرِمَ بارتقائِه حافظا لكتاب الله, وكان الالتزام الديني مكتملا ومحافظا على قلبٍ عامر بخُلقٍ كان إحدى التهم الموجهة له في قاعة محكمة ظالمة.

فطرقت مطرقة المحكمة ظلمها معلنة بالحكم عليه عشرون عاما, ويعلن ذات يوم تمردٌ جماعي من الأسرى مضربين عن الطعام بعد مطالبات حثيثة على أقل مستويات الحياة، منها زيادة أنفاس لقيا الأهل, وتحسين المعاشرة ما بينهم في جودة طعام كاد يقتل الأمعاء بفساده, وتعايشت أمعاؤه الخاوية لمدة أربعة عشر يوما بتمرد على دويلة احتلال غاصب، محاولا تقسيم الأسرى حزبيا و مناطقيا –جغرافيا- ليبث روح الفرقة بين أسرى تباينت ما بينهم أواصل المحبة والأخوة، حتى أصبح التواصل بينهم خاضعا للشوق لمن في القلوب يعبر كل الحواجز.

وبعد سبعة عشر عام يعلن بتوقيت القسام أن حكاية النصر جددت عهدها بصفقة وفاء الأحرار، فأبت إرادة المقاومة الثائرة إلا أن تكون لهم ناصرا ووكيلا من بعد الله، فذهب ظمأ الشوق وابتلت عروق الرؤيا بالأحباب وثبت الأجر إن شاء الله، لكن المحتل يتربص فرحتهم بالتعهد على فرسان الحرية بفرض حجز وسجن جديد، لكنه أكبر من الذي كان يوصف بمقبرة مصغرة وتوقيعهم على شروط حرية مجحفة بحقهم، حتى بات تسميتها بالحرية كحبر على ورق، فحرمهم من زيارة خارج محافظاتهم, وتعهدهم بالحياة كل ثلاث أشهر واثبات للوجود.

ورغم فرحة الحرية تبقى حرقة الشوق لأهلٍ داموا في الظلمة نوراً، وفي البهجة عطاء وفي الحزن دواء للقلوب، تاركهم خلف القضبان يعدون ثواني الإفراج لرؤية ذويهم, تنبض بداخله تجديد الشوق لطرف كان مشاركا إياهم تقاسيم الحياة في الأسر، وأوجاعها وألامها.

لكن سرعان ما انطفأت شمعة الفرحة بتجدد الاعتقال للمحررين، فينال بيته الذي بني بتحريره جانبا من الحزن باعتقاله لإكمال الحكم الظالم، ورحلة الظلام في تحقيق قاسٍ نفسيا وجسديا، و بدخوله مراحل الانفرادي. ثم تعود أنفاس الحرية له من جديد مستغلا تجربة الأسر والحياة وتعلمه لإدارة الأعمال من الجامعة العبرية، وتمكنه من اللغة العبرية مفتتحا مكتبا لتعليم و ترجمة العبرية بعد مزاولته للمهنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.