ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

لمى خاطر في زمن عزّ فيه النصير

عرفتُ لمى خاطر من خلال كتاباتها.. وكان لها أثراً بالغاً في نفسي وذلك منذ اكثر من 15 عشر عاماً.. وأن تعرف إنساناً من خلال كتاباته قبل أن تعرفه شخصياً ذلك أمرٌ فيه خصوصية وله لذة المعرفة التي تخلو من مصلحة او أية شائبة تغرق النفس البشرية في متاهات علاقات البشر..

أن تعرف إنساناً وتحبه حباً عظيماً من خلال انعكاس روحه الشفافة الأصيلة عبر قلمه فمعنى ذلك أن القلب عرف أولاً .. ومن يعرفه القلب أولاً له مكانة عظيمة في النفس تتجلى في الخوف والحب والحرص والرغبة في القرب أكثر!

لكنّ الظروف المعقدة ومعضلات الحياة ومتاهاتها كان عائقاً كبيراً واحياناً كثيرة في ديمومة العلاقات وتطورها.

بيد أن هذا لم يكن سبباً لأن لا تستمر أو تتعمق المكانة مع من هم مثلك فتنساب إلى الروح كلما ضاقت بمن عرفنا في الحياة فضيقوها علينا رغم قربهم منّا.. قرأت للمى خاطر عن الشهداء والأسرى وأهم قضايانا الفلسطينية التي أخذت لمى على عاتقها الحفاظ عليها والصدع بالحق لأجلها مهما كان الأمر مكلفاً ..

وفي أحلك الأوقات واظلمها تحديداً في عام 2006 كان لها دوراً بارزا وصوتا لم يخفته التهديد ولا القمع والاستدعاءات المتكررة من قبل اجهزة السطلة وتهديدات الاحتلال..

هذه الإنسانة العظيمة التي حتى اليوم أصرّ على قولي أنني لم أقابل سيدة بقوتها ومواقفها الثابتة التي ما هزها اعتقال لزوجها ولا تهديد لحياتها الأسرية..

لم تكن تحب أبداً الحديث عن نفسها أو الظهور إعلامياً إلى من خلال كتاباتها وقد نجحت في إيصال فكرتها وتأكيد أن جذوة الحق لا تنطفئ وأن وطناً موشحاً بالسواد من كل الجهات هناك في سمائه شمس تسطع علينا في كل مصيبة أو كارثة تقول لنا يوجد أمل ويوجد من لازال الحق على لسانه ناطقاً لا ينتظر جزاءً ولا يعمل إلا من أجل الله .. من أجل قضية ومبدأ آمن به وتشبث به لأخر رمق..

كل من عرف لمى يعرف لمى الإنسانة الكاتبة والأديبة والتي كانت تكتب عن الشهداء حتى اليوم كلماتك نجم ينير مسيرة الشهداء والأسرى ففي يحيى قلتِ سلام على من قلدوك الحسام وسموك يحيى.. وفي الياسين قلت: غضب توزعه دماك.. وبقيت كلماتك وستظل نوراً يصحب أسماءهم العظيمة.. منارة في سمائنا المكدسة بالأحزان والخسائر!

بينما انشغلت نساء كثيرات في اهتماماتهن الطبيعية وحياة المرأة التي لا تخلو من اللهو واللغو والثرثرة كانت لمى تقاتل بكلمتها في عز الخذلان كانت لمى سنداً لقضية المعتلقين السياسين.. ودفعت مقابل ذلك اختطاف ابنها حيناً واختطاف زوجها وتهديده للحد من نشاطها مقابل إسكاتها وتوقفها عن الكتابة بحق أجهزة السلطة وكان المثل الأكثر عظمة والأروع في وقفة المقربين لها لا سيما زوجها السيد حازم فاخوري دعماً وفخراً بها وعهدا على المواصلة معها والثبات في وجه أي محاولة لاجتثاث الكلمة الحرة الأبية..

أذكر في حرب 2009 الوحشية على غزة وكنا نعيش ظروفاً معقدة وحالة من الخوف والصمت من أي حراك من أجل أبسط قضية وأنبلها وهي المذابح والقتل الذين يعانيه أهلنا في غزة ..

أذكر وقفة للمى وقتها وكان زوجها معتقلاً وكانت أمّا ولها أطفال صغار إلا أن ذلك لم يمنعها من الخروج لمناصرتهم ودفعت مقابل ذلك اعتداء فجاً من اجهزة السلطة وتهديدا لأسرة زوجها.. تفاصيل كثيرة نجهلها لم تتحدث عنها لمى..

لكن المقربين منها يعلم بحجم المعاناة التي كان تعيشها وتفاصيل مرعبة من الابتزاز لأسرتها مقابل إسكاتها.. حتى وقعت اليوم بين يدي الاحتلال ثابتة أبية حرّة.. وما نشهد لها إلا برباطة الجأش والصبر والاحتساب واليقين..

وبأنها تعلم جيداً أن هذا الطريق هو طريق من اختاروا أن يصونوا قضيتهم بثوابتها ومبادئها دائماً وأبداً.. وفي أشدّ الظروف والأوقات التي شهدها خمول وخنوع في ظل القمع، كتبت لمى وبكل تحدّ وقوة “إلى سلام فياض هكذا تحاول مخابراتكم إسكاتي!! “وكان وقتها رئيسا للوزارء..

لم تأبه بأي شيء بل قالت كلمتها دون خوف أو تردد وأنا على يقين أن انسانة مثل لمى حين تكتب عن هذا هدفها الأول هو قول كلمة حق في وجه سلطان ظالم لا لبث أحزان ومشاكل شخصية إنما لإقامة الحجة عليهم وتفنيد كذبة أن الحريات لا حدود لها عندنا! أسألكم بالله أن لا تنسوا أختاً كانت سيفاً على رقاب الاحتلال بكلمتها الحرة وكانت نبراساً لنا في أحلك الظروف والأوقات..

لا تنسوا لمى التي ساندت الأسرى والطلبة المهدور دمهم في ساحات النجاح حين قالت “لايستوون يا محمد رداد” في وقت خرست فيه ألسنة من كان واجباً عليهم حينها نصر محمد رداد وإخوانه!!

الكلام في حضرتك يا سيدتي يطول ..

يطول جداً وأني والله لأخجل من نفسي في تقصيري بحقك وأختم بقول لطالما استشهدتِ به لشهيد الظلال سيد القلب الشهيد سيد قطب :(إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيراً ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم، أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق) يقولون يا سيّدتي عندما يصفون رجلاً عظيماً رجلٌ في زمن عزّ فيه الرجال.. أمّا أنت فسيدة فلسطين بلا منازع.. سيدة قضيتنا التي جاد الزمان بها علينا من النخبة التي لن تتكرر.. امرأة في زمن عز فيه النصير.. عزّ فيه الشريف!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.