ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

سوسنيات -5-

عادة مَرضيَّة ، أن تَبخسَ الناسَ أشيائَهم ، وتسلُبهم فرحة الانجاز على بساطته ، وتُنَصّبَ نفسك قيّماً على أفعالهم ومسلكياتهم وحتى اهتماماتهم ، تلك التي لا ترى فيها إلا الفشل والخطأ والدون ، لا طموحَ فيها يُدعَم ، أو إمكانَ إصلاحٍ يُقوَّم .

إن كان هذا حالك ؛ فالذي يريد العلاج أنت ، إخلع هذه النظارة القاتمة عن عينيك أولاً ، وجَلّس هذه الأنانية التي فيك ، وتفقَّد الجسور التي بينك وبين الآخرين ، فلربما أصبحت آيلةً للسقوط ، وأعلم أنك إن لم تفعل فستصبح حالتك مُزمنةً مع الأيام ، وتهوي ، فتخسر نفسك وتخسر الآخرين .

لا يكون الأمل مؤذياً للقلب إلا إن كان مقطوعاً عن أسباب السماء ، وتلك هي الخيبة ، فمن اتصل بحبل السماء حتماً ستتنزل على قلبه فيوضاتٌ من السلوى تغمره سكينةً وأماناً ، لأنه قد التجأ إلى ربٍ كريم ، لا يَردُّ قاصديه بكسر الخواطر إذا لم يبلغوا شواطىء الأمل ليقيموا في كنغها أحلامهم ، فلربما كان المنع سبيلاً للعطاء ، وذلك فيه خيرُ العِوَض بعِوَض خيرٍ يكون به منتهى العطايا من واردات السماء .. ” فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ” .

عجيبٌ هو حال القلب حين يَرى بعين الروحِ ويَسمعَ برعشةِ الخافق ، يتجلى الأملُ أمامه كشمسِ الصباح تلاحقُ سَواد الليل لتنشرَ في مَساحات الأفق العابسِ أشرعةَ الضياء ، ويبرز وجه الحياة يمسح عن وجنتيكَ آثار الحزن ، ببسمة اليقين ومسحة الرضا إيذاناً بقرب الموصول .

هل جربتَ يوماً أن تأخذ قراراً بنسيان أحدهم وإقصاءه من حياتك ، وعكفتَ على بناء حاجزٍ وإعلاء جدار ، معتقداً أنه سيحول بينك وبينه ، فما إن فرغت من إقامته واستراحة نفسك -أو هكذا تَوهمّتْ- جاءت من ناحيته نسمةٌ عصفت بكيانك وبكل تلك الحواجز والجُدر ، وتركتكَ في أشد حالاتك ضعفاً، تُفتش في أشتات نفسك عن سبب هذا الانهيار .

غيرُ مدركٍ أنت قبل هذه اللحظة أن هدفك الذي ستُقصيه قد أصبح جزءً من نفسك التي بين جنبيك ، تلك التي لا فرار منها ولا فكاك عنها ، فكلما احتهدت في حَربها زادت من قُربها ، وإن حاولتَ بُعدَها ، فلن تحلو لك الحياة بَعدَها ، لم تكن تلك الحواجز التي أعليتَها واختبأتَ ورائها سوى ركام المشاعر والأحاسيس ، تلك التي لا سلطان لكَ عليها ، وقد خالفتَ منطقها بِفراركَ منها لا إليها ، فاغتاظت منك واجتاحتكَ حتى النخاع .

نصيحتي: دع عنكَ المحاولات وسالمها ، فعبثاً تحاول ، دَعْ المقاديَر تجري كما رُسمَ لها ، داري تلك المشاعر مُداراة الطفل الصغير ، وإياكَ ومحاولة دفنها فإنما تدفن بعضك حينها ، فلا حياة بأنصاف أنفُس ، ولا موت لمن ينبض به الإحساس ، لأنه سيتحول زهرة جميلة تضاف لبستان الحياة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.