ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

لا تكن قاتلاً و أنت لا تدري

لا يختلف اثنان على حرمة قتل النفس فقد حرمه الله من فوق سبع سماوات و عده من الكبائر، و لكن ماذا عن قتل الروح دون الجسد و هو القتل الأشد.

قد يبدو هذا المصطلح غريباً للوهلة الأولى و لكنني أراه أشد خطورةً و تعذيباً، فقتل الجسد يكون بلحظة و ينتهي الأمر.

أما قتل الروح فقد يحيي الإنسان ميتاً محطماً طيلة حياته و كأنه حزن و يأس يمشي على قدمين. و لو تمعنا في ديننا الحنيف لوجدنا فيه الكثير سواء بآيات قرآنية أو أحاديث شريفة مما يحث على الكلمة الطيبة و المعاملة الحسنة حفاظاً على روح الإنسان و نفسه.

إن اختصار الدين بالمعاملة بالقول المعروف”الدين المعاملة ” لم يكن عبثاً بل إقراراً حكيماً و جزماً بأن المعاملة و الأخلاق هي أساس الدين، فلو التزم الإنسان بكافة فروض الله و سنن نبيه و كانت معاملاته مع الناس سيئة لذهب عمله أدراج الرياح.

يحضرني هنا حديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حين قال :”أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة و صيام و قيام و زكاة و يأتي و قد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيعطى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار “.

كم من آباء و أمهات قتلوا مواهب أبنائهم و قدراتهم عندما نعتوهم بالأغبياء فتبرمج عقلهم الباطن على ذلك فبدلاً من تنمية بذرة طموحهم قتلوها قبل أن تنمو في رحم الحياة. كم من معلم و معلمة طمسوا شخصيات طلابهم بكلمة سلبية فحولوا ما بهم من نقاط قوة لضعف و انعزالية.

كم من زوج فظ غليظ القلب حطم زوجته بكلمة جارحة و حولها من أرق المخلوقات لتخرج كل كيدها الدفين فيمتلأ إناء رقتها حقداً و كرهاً. كم من غش و خيانة و كذب كسروا في الفؤاد و الروح ما لا يمكن إصلاحه و أحدثوا شرخاً في الثقة في كل علاقة تالية.

كم من ذئب بشري سرق أحلام فتاة باسم الحب استغل جهلها أو ضعفها ثم تركها تحت ذريعة ظلم ذكوريته الشرقية بحجة أنها لا تصلح زوجة له فدمرها نفسياً و أدخلها حالة موت سريري للروح و الفؤاد. و على النقيض من هذا كم من إنسان كان كل من حوله يرونه فاشلاً فهبت كلمة طيبة كالنسمة الحانية على قلبه فأثلجته، و جعلته أنجح الناس. كم من طبيب بث في مريضه طاقة إيجابية و نظرة تفاؤلية و لم يضخم مرضه فشفي رغم حالته المستعصية.

وكما أن قاتل الجسد ينال عقابه في الدنيا والآخرة و إن كان قد يفلت منه أحياناً في الدنيا أو ينال جزاءً أقل مما يستحق فقتل الروح المعنوية جريمة مرادفة بشكل غير مباشر و عقاب مرتكبه من الله يكون طيلة حياته على جرعات متفرقة فكل كسر بخاطر أحدهم و كل دمعة ذرفت بسببه سيرد له أضعافاً.

فالله العادل كرم الإنسان و ما خلقه في الدنيا إلا ليسعده لا ليعذبه فرغم كل الاختبارات و الابتلاءات التي قد يمر بها إلا أنها لا تكون إلا محطات يعقبها خير أو سعد ينسي مرارتها.. فحري بكم أن تراجعوا حساباتكم كل يوم، لا تؤجلوها ولا تراكموها حتى يصعب إحصاء العثرات و الأخطاء بحق الناس.

دققوا كلماتكم أخلاقياً قبل أن تنطقوا بها فتقتل بسهامها قلوباً مرهفة بريئة فيفيص بها الألم حتى يتفشى بكل أرجاء خلايا الروح و يصعب استئصاله.

لا تقتلوا احداً بقذائف ألسنتكم أو أفعالكم فيزيد رصيدكم من الأذى الذي لا بد أن تصرفونه من مصرف القدر عاجلاً أم آجلاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.