ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الوحدة والعقوبات .. ميزان الغاية والوسيلة

يعاقب الاحتلال والأمريكان الشعب الفلسطيني على صوته واختياره من يمثله واحتضانه لمقاومته وعدم ترك سلاحه، فيتهشم الوطن مالا سياسيا ودولة وهمية ومقعدا جاب كل العالم إلا فلسطين، ويستمر المسلسل وتعاقب غزة على تمردها على برامج الترويض الممنهجة بحق المنطقة.
 
تشتد الأزمة كثيرا وتتباعد المسافات بين الإخوة على وقع طبول التطبيع والميوعة السياسية والترويض في المنطقة، لتطل علينا معزوفة “بدنا نربي غزة” تارة بعقوبات وتارة بفلتان أمني وتارة بتجييش إقليمي وتارة بهجمات إعلامية وشائعات؛ وغيرها من السبل الرخيصة التي لم يسجل التاريخ لأصحابها إلا الخزي والندامة.
 
من المعيب أن يتناقض الشخوص بتوجههم نحو التعامل مع غزة؛ فالشعارات كبيرة فارغة المضمون تتجدد “لا دولة دون غزة” أو “غزة إقليم متمرد” وغيرها من المصطلحات المستهلكة للحاجة، على كل الأحوال نحن الآن في قراءة لآخر موضة سياسية.
 
الحديث عن العقوبات المفروضة من قبل السلطة التي يترأسها السيد محمود عباس -الذي انتهت صلاحية وجوده في رئاسة السلطة منذ العام 2009- تتزامن مع الحديث عن صفقة القرن التي فيها رأينا أكثر من ثلاث عقوبات فرضت على الشعب من نقل سفارة أمريكا للقدس وإعلان القدس عاصمة أبدية للاحتلال وليس أخيرا البدء بقطع الدعم عن السلطة لأنها تعطي رواتب شهرية للأسرى والشهداء.
 
العقوبات كلمة بات الكل يستخدمها؛ فالسلطة تعاقبها أمريكا والاحتلال؛ والأسرى يعاقبهم السجان ومصلحة السجون الصهيونية؛ والاحتلال يكرم العملاء باقتطاع أموال الضرائب لتعويضهم وحرمان أهالي الشهداء والأسرى؛ وهذا كله في إطار المواجهة مع الاحتلال، ولكن المستغرب كثيرا أن المعاقَب يفرض عقوبات على غيره فهنا المصيبة؛ لسنا أمام أفلام خيال بل هي واقع فإما أنك متآمر كبير والعقوبات المفروضة عليك شكلية وسيلة للضغط على الشعب؛ وهذا قد يفكر به جزء من الشعب؛ وإما أنك متخبط سياسيا وتهرب لافتعال مشكلة داخلية بالتزامن مع مرور صفقة القرن على رقاب الجميع وهذا احتمال يأخذ به طرف آخر.
 
وفي المحصلة فإن العقوبات التي تمارسها قوات الاحتلال والأمريكان على الشعب الفلسطيني كبيرة جدا ولا تحتمل أن يفرض عليه عقوبة من داخله، حيث أن القائد الثائر يعاقب دوماً الجزء المتراخي والضعيف من جيشه ويكرم المثابر المقاوم الصابر؛ أما غير ذلك فهذا يدخلنا في الغاية والوسيلة.
 
وأذهب للتحليل الثاني بأن هناك تخبطا سياسيا؛ ففي بعض الأحيان نرى الكل يحج إلى غزة ويتصافحون مع أهلها وشرعيتها وسلاحها وبحرها؛ وتارة تفتعل الانفجارات والفلتان وتارة العقوبات وأخيرا بالون حكومة وحدة وطنية، فيا ترى هل بالحديث عن حكومة وحدة وتحريك للمصالحة ستكون نقطة بداية جديدة ضمن معادلة الغاية وليست الوسيلة؟! لأن استخدام الوحدة الوطنية وسيلة سيكون أمرا مؤلما وتلاعبا وخطيئة وبالتالي سيكون أول الرد الحقيقي على صفقة القرن وتمسح أخطاء الاستفراد بالمجلس الوطني والعقوبات والانتفاخ الإعلامي ضد غزة.
 
وأما إن كانت المصالحة ممرا لعبور المخططات فهذا أيضا يعبر عن ضيق أفق لمن يقود دفة السياسة في السلطة، فلا أتعجب هنا من هكذا احتمال “اللي بجرب المجرب عقله مخرب” وبالتالي هدر للوقت على حساب القضية الفلسطينية والشعب لن يتراجع وقال كلمته المشهورة “لن تمر صفقة القرن” لا بعقوبات وحصار ولا بمصالحة بمقاسات الأمريكان ولا بمجاملة على أجساد الشهداء وأنّات الجرحى.
 
إذاً الشراكة الحقيقية بين أبناء الشعب الفلسطيني مفتاح الصفعة للأمريكان والاحتلال فلا داعي لتجربة الخيارات التي تهدر الحقوق والوحدة والاجتماع، فمسيرات العودة وتطور المقاومة ووحدة الفصائل في غزة أسقطت العقوبات قبل فرضها وكسرت الحصار قبل إعلانه وفتحت الطريق لأجزاء أخرى من فلسطين كي تحذو حذو البقعة الجغرافية التي هي المخزون القومي والمفتاح الوطني لكل فلسطين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.