إشراقات سياسية

الدرس الأول من تركيا

ليس غريبا أن تتجه الدولة التركية العميقة التي كانت قبل مائة عام الى واحة من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة .. هذا التداول المنقطع النظير على المستوى الدولي ، فلقد سجلت الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية لعام 2018م درسا لم يكن مسبوقا في احترام عقول الناخبين على كافة انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية ، رغم التحديات الخارجية والداخلية التي عملت جاهدة على حرف مسار الديمقراطية النظيفة في الشارع التركي .

    ولعل ثقافة التنافس النقي الشريف التي جذرها حزب العدالة والتمية خلال سنوات حكمه ، نقلت الذهنية السياسية والعسكرية التركية من واقع الانقلابات المقيته الى حياة ملؤها الاستقرار والهدوء والاتجاه نحو التنمية المستدامه والرقي بتركيا سياسيا واقتصاديا ، وقد برزت هذه النتائج من خلال التوجه الصادق لصناديق الانتخابات بنسب مشاركة لم يشهدها العالم منذ اكثر من خمسين عاما ، كيف لا وقد بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 88،7% من أصحاب حق الاقتراع ، هذه النسبة التي أذهلت السياسيين والمراقبين وصناع القرار في العالم أجمع مقارنة مع دول عظمى لم تتمكن ان تحظ بهذه النسبة منذ تأسيسها .

    وقد عجزت المطابخ السياسية الدولية ومراكز صنع القرار ودوائر الاستخبارات العالمية تفسير ذلك في الوقت الذي سجل فيه الشعب الامريكي نسبة مشاركة في انتخابات عام 2016 لم تزد عن 56% وكذلك الانتخابات الروسية التي جرت عام 2018م والتي بلغت نسبة المشاركة فيها 51،9% ، والانتخابات البريطانية التي بلغت نسبة المشاركين فيها عام 2017م 69% ، ولم يكن الحال في بلد الأناقة والموضة فرنسا افضل كثيرا حيث بلغت نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية لعام 2017م 66% ، اما المانيا فكانت 75% عام 2017م.

لكن هذه النسب تدنت كثيرا في العالم العربي ، فالمشاركون في الانتخابات الدكتاتورية المصرية لعام 2018م 41% اما العراق فقد كانت نسبة المشاركين في انتخاباتها الاخيرة التي جرت عام 2018م 32% فيما بلغت نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية الاردن 32% لعام 2016 ، ولبنان 49% لعام 2018م ، وتونس 63% لعام 2014م لكن النسبة ارتفعت في الانتخابات الايرانية الاخيرة لتصل الى 73،33% ، ولا ننسى ان سخونة مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006م في الاراضي الفلسطيني بلغت 77% .

  هذه القراءات التي تشير الى مدى وعي الشارع التركي الذي اتجه بإخلاص وتفاني وإقدام لانتخاب قيادته واعضاء برلمانه بمشاركة واسعة دون تقاعس ولا غياب ، فالكل كان يدرك أنه صاحب مسؤولية ولا يعمل في الزوايا الضيقة ولا يختبىء في الظلام كالخفافيش ، ولا يشتغل لصالح غيره من المتآمرين على تركيا .. وإنما صدع بصوته على رؤس الاشهاد باحثا عن رفعة تركيا ومستقبلها !!.

   كم كنا نتمنى ان يشهد العالم العربي في انتخاباته البرلمانية مثل هذه الشفافية والمصداقية العالية كي تنجح الشعوب في تصويب اتجاه البوصلة نحو الديمقراطية والهدوء والراحة والتفرغ لبناء الوطن ومؤسساته ومستقبله .

ولقد كان من فصول الدرس الأول الذي صدرته تركيا لكل عشاق الديمقراطية والحرية التداول السلمي للسلطة ، حيث شاركت ثمانية أحزاب في التنافس على مقاعد البرلمان ، وستة رؤساء في التنافس على رئاسة تركيا ، وفور إعلان النتائج سلمت الاحزاب بالنتيجة ، وعبر (محرم اينجه) مرشح حزب الشعب الجمهوري والمنافس الرئيس لاردوغان عن قبوله بالنتيجه قائلا : ” أقبلبنتائجهذهالانتخابات وأطلب من رجب طيب اردوغان من الآن فصاعدا التوقف عنالتصرفبصفتهالأمينالعاملحزبالعدالةوالتنمية (الحاكم)،يجبأنيكونرئيسالـ81 مليونتركي”.

  أين هذه الشفافيه العالية من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في عالمنا العربي حيث يتم اعتقال المرشحين ليلة الانتخابات او اغتيالهم ، ويعصف بالنتائج وربما يتم التسلق عليها او التنكر لها او الانقلاب عليها حتى ولو أدى ذلك الى بحر من الدماء .

  لا زلت أذكر يوم فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006م عندما تم تسليم السلطة شكلا ، وخلال ساعاتها الاولى أحرق المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان) كما أحرق مقر مجلس الوزراء ومنزل الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي في رام الله ، وتم اختطاف وزراء ونواب ووكلاء وزرات ومدراء عامون !!.

 أين درس التداول السلمي للسلطة والاقرار الحقيقي بالنتائج الانتخابية كما جرى في تركيا ؟ أليست هذه السلاسة والمصداقية في هذا التداول الشفاف هي طريق الامن والسلام للمجتمعات وحمايتها من الانقسام والتشرذم والتبعية والتجاذب الاقليمي ؟

                ان لنا في الاحداث لعبرة ، ولا بد للشعوب أن تتعلم من إبداعات غيرها وأن تتقي إخفاقاتهم وخطاياهم ، وسيبقى درس الانتخابات التركية الأخيرة هو الدرس الأول الأكثر جرأة في التغيير والاصلاح والتداول السلمي للسلطة .. فلا نامت أعين الجبناء !!.

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق